منتدى الصالحين
الموقع البوابة رياض الانس
f يافا
سهام =
/vb/ شا -

يسر أدارة منتديات الصالحين أن ترحب بالزائر الكريم .. زيارتك لنا أسعدتنا كثيراً .. و لكن لن تكتمل سعادتنا إلا بانضمامك لأسرتنا كلمة الإدارة

{ اللّهُ لا إله إلا هو الحي القيوم لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءوَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255) } .سورة البقرة .. كلمة الإدارة


الإهداءات

« آخـــر الــمــواضــيــع »
         :: أسعار الذهب تستقر وكفة تعافي الأسهم ترجح أمام مخاوف التضخم (آخر رد :طيبة)       :: ماذا يقول برجك لك اليوم الثلاثاء 20 شباط/ فبراير 2018؟ (آخر رد :طيبة)       :: داعش يخترق مناطق بعيدة (آخر رد :طيبة)       :: مصر.. الحكم على 4 أشخاص بالإعدام (آخر رد :طيبة)       :: مصر تشتري الغاز الاسرائيلي بـ 15 مليار دولار (آخر رد :طيبة)       :: ارتفاع كلفة الإنتاج يؤجج غضب مزارعي تونس (آخر رد :طيبة)       :: هل انفصلت سهيلة بن لشهب عن محمد الفخراني؟ (آخر رد :طيبة)       :: أوبك: مستوى الالتزام باتفاق خفض الإنتاج 107% في 2017 (آخر رد :طيبة)       :: وزير إسرائيلي: لبنان مسؤول عن أي هجوم ينفذه حزب الله (آخر رد :طيبة)       :: مايكروسوفت تعتزم العودة إلى المنافسة بألعاب الفيديو (آخر رد :طيبة)      



إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-12-2017, 12:29 AM   #11


الصورة الرمزية دفء وحنان
دفء وحنان غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 19
 تاريخ التسجيل :  Apr 2016
 العمر : 50
 أخر زيارة : 01-31-2018 (02:37 PM)
 المشاركات : 8,373 [ + ]
 التقييم :  10
 الدولهـ
Jordan
 الجنس ~
Female
لوني المفضل : Cadetblue
اخر مواضيعي
افتراضي



قوله تعالى: « قالوا أتعجبين من أمر الله » لما قالت: « وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا » وتعجبت، أنكرت الملائكة عليها تعجبها من أمر الله، أي من قضائه. وقدره، أي لا عجب من أن يرزقكما الله الولد، وهو إسحاق. وبهذه الآية استدل كثير من العلماء على أن الذبيح إسماعيل، وأنه أسن من إسحاق؛ لأنها بشرت بأن إسحاق يعيش حتى يولد له يعقوب. وسيأتي الكلام في هذا؛ وبيانه في « الصافات » إن شاء الله تعالى.

قوله تعالى: « رحمة الله وبركاته » مبتدأ، والخبر « عليكم » . وحكى سيبويه « عليكم » بكسر الكاف لمجاورتها الياء. وهل هو خبر أو دعاء؟ وكونه إخبارا أشرف؛ لأن ذلك يقتضي حصول الرحمة والبركة لهم، المعنى: أوصل الله لكم رحمته وبركاته أهل البيت. وكونه دعاء إنما يقتضي أنه أمر يترجى ولم يتحصل به بعد. « أهل البيت » نصب على الاختصاص؛ وهذا مذهب سيبويه. وقيل: على النداء.

هذه الآية تعطي أن زوجة الرجل، من أهل البيت؛ فدل، هذا على أن أزواج الأنبياء من أهل البيت؛ فعائشة رضي الله عنها وغيرها من جملة أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم؛ ممن قال الله فيهم: « ويطهركم تطهيرا » [ الأحزاب: 33 ] وسيأتي.

ودلت الآية أيضا على أن منتهى السلام « وبركاته » كما أخبر الله عن صالحي عباده « رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت » . والبركة النمو والزيادة؛ ومن تلك البركات أن جميع الأنبياء والمرسلين كانوا في ولد إبراهيم وسارة. وروى مالك عن وهب بن كيسان أبي نعيم عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: كنت جالسا عند عبدالله بن عباس فدخل عليه رجل من أهل اليمن فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته؛ ثم زاد شيئا مع ذلك؛ فقال، ابن عباس - وهو يومئذ قد ذهب بصره - من هذا؟ فقالوا اليماني الذي يغشاك، فعرفوه إياه، فقال: ( إن السلام انتهى إلى البركة ) . وروي عن علي رضى الله عنه أنه قال: دخلت المسجد فإذا أنا بالنبي صلى الله عليه وسلم في عصبة من أصحابه، فقلت: السلام عليكم؛ فقال: ( وعليك السلام ورحمة الله عشرون لي وعشرة لك ) . قال: ودخلت الثانية؛ فقلت: السلام عليكم ورحمة الله فقال: ( وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ثلاثون لي وعشرون لك ) . فدخلت الثالثة فقلت: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: فقال: ( وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ثلاثون لي وثلاثون لك أنا وأنت في السلام سواء ) . « إنه حميد مجيد » أي محمود ماجد. وقد بيناهما في « الأسماء الحسنى » .

الآيات: 74 - 76 ( فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط، إن إبراهيم لحليم أواه منيب، يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود )

قوله تعالى: « فلما ذهب عن إبراهيم الروع » أي الخوف؛ يقال: ارتاع من كذا إذا خاف؛ قال النابغة:
فارتاع من صوت كلاب فبات له طوع الشوامت من خوف ومن صرد
« وجاءته البشرى » أي بإسحاق ويعقوب. وقال قتادة: بشروه بأنهم إنما أتوا بالعذاب إلى قوم لوط، وأنه لا يخاف. « يجادلنا » أي يجادل رسلنا، وأضافه إلى نفسه، لأنهم نزلوا بأمره. وهذه المجادلة رواها حميد بن هلال عن جندب عن حذيفة؛ وذلك أنهم لما قالوا: « إنا مهلكو أهل هذه القرية » [ العنكبوت: 31 ] قال لهم: أرأيتم إن كان فيها خمسون من المسلمين أتهلكونهم؟ قالوا: لا. قال: فأربعون؟ قالوا: لا. قال: فثلاثون؟ قالوا: لا. قال: فعشرون؟ قالوا: لا. قال: فإن كان فيها عشرة - أو خمسة شك حميد - قالوا: لا. قال قتادة: نحوا منه؛ قال فقال يعني إبراهيم: قوم ليس فيهم عشرة من المسلمين لا خير فيهم. وقيل إن إبراهيم قال: أرأيتم إن كان فيها رجل مسلم أتهلكونها؟ قالوا: لا. فقال إبراهيم عند ذلك: « إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين » [ العنكبوت: 32 ] . وقال عبدالرحمن ابن سمرة: كانوا أربعمائة ألف. ابن جريج. وكان في قرى قوم لوط أربعة آلاف ألف. ومذهب الأخفش والكسائي أن « يجادلنا » في موضع « جادلنا » . قال النحاس: لما كان جواب « لما » يجب أن يكون بالماضي جعل المستقبل مكانه؛ كما أن الشرط يجب أن يكون بالمستقبل فجعل الماضي مكانه. وفيه جواب آخر: أن يكون « يجادلنا » في موضع الحال؛ أي أقبل يجادلنا؛ وهذا قول الفراء. « إن إبراهيم لحليم : لأواه منيب » تقدم في « براءة » معنى « لأواه حليم » [ التوبة: 114 ] والمنيب الراجع؛ يقال: إذا رجع. وإبراهيم صلى الله عليه وسلم كان راجعا إلى الله تعالى في أمور كلها. وقيل: الأواه المتأوه أسفا على ما قد فات قوم لوط من الإيمان.

قوله تعالى: « يا إبراهيم أعرض عن هذا » أي دع عنك الجدال في قوم لوط. « إنه قد جاء أمر ربك » أي عذابه لهم. « إنهم آتيهم » أي نازل بهم. « عذاب غير مردود » أي غير مصروف عنهم ولا مدفوع.

الآية: 77 ( ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب )

قوله تعالى: « ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم » لما خرجت الملائكة من عند إبراهيم، وكان بين إبراهيم وقرية لوط أربعة فراسخ بصرت بنتا لوط - وهما تستقيان - بالملائكة ورأتا هيئة حسنة، فقالتا: ما شأنكم؟ ومن أين أقبلتم؟ قالوا: من موضع كذا نريد هذه القرية قالتا: فإن أهلها أصحاب الفواحش؛ فقالوا: أبها من يضيفنا؟ قالتا: نعم! هذا الشيخ وأشارتا إلى لوط؛ فلما رأى لوط هيئتهم خاف قومه، عليهم. « سيء بهم » أي ساءه مجيئهم؛ يقال: ساء بسوء فهو لازم، وساءه يسوءه فهو متعد أيضا، وإن شئت ضممت السين؛ لأن أصلها الضم، والأصل سوئ بهم من السوء؛ قلبت حركة الواو على السين فانقلبت ياء، وإن خففت الهمزة ألقيت حركتها على الياء فقلت: « سي بهم » مخففا، ولغة شاذة بالتشديد. « وضاق بهم ذرعا » أي ضاق صدره بمجيئهم وكرهه. وقيل: ضاق وسعه وطاقته. وأصله أن يذرع البعير بيديه في سيره ذرعا على قدر سعة خطوه؛ فإذا حمل على أكثر من طوقه ضاق عن ذلك، وضعف ومد عنقه؛ فضيق الذرع عبارة عن ضيق الوسع. وقيل: هو من ذرعه القيء أي غابه؛ أي ضاق عن حبسه المكروه في نفسه، وإنما ضاق ذرعه بهم لما رأى من جمالهم، وما يعلم من فسق قومه. « وقال هذا يوم عصيب » أي شديد في الشر. وقال الشاعر:
وإنك إلا ترض بكر بن وائل يكن لك يوم بالعراق عصيب
وقال آخر:
يوم عصيب يعصب الأبطالا عصب القوي السلم الطوالا
ويقال: عصيب وعصبصب على التكثير؛ أي مكروه مجتمع الشر وقد. عصب؛ أي عصب بالشر عصابة، ومنه قيل: عصبة وعصابة أي مجتمعو الكلمة؛ أي مجتمعون في أنفسهم. وعصبة الرجل المجتمعون معه في النسب؛ وتعصبت لفلان صرت كعصبته، ورجل معصوب، أي مجتمع الخلق.

الآية: 78 ( وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد )

قوله تعالى: « وجاءه قومه يهرعون إليه » في موضع الحال. « يهرعون » أي يسرعون. قال الكسائي والفراء وغيرهما من أهل اللغة: لا يكون الإهراع إلا إسراعا مع رعدة؛ يقال: أهرع الرجل إهراعا أي أسرع في رعدة من برد أو غضب أو حمى، وهو مهرع؛ قال مهلهل:
فجاؤوا يهرعون وهم أسارى نقودهم على رغم الأنوف
وقال آخر:
بمعجلات نحوه مهارع
وهذا مثل: أولع فلان بالأمر، وأرعد زيد. وزهي فلان. وتجيء ولا تستعمل إلا على هذا الوجه. وقيل: أهرع أي أهرعه حرصه؛ وعلى هذا « يهرعون » أي يستحثون عليه. ومن قال بالأول قال: لم يسمع إلا أهرع الرجل أي أسرع؛ على لفظ ما لم يسم فاعله. قال ابن القوطية: هرع الإنسان هرعا، وأهرع: سيق واستعجل. وقال الهروي يقال: هرع الرجل وأهرع أي استحث. قال ابن عباس وقتادة والسدي: ( « يهرعون » يهرولون ) . الضحاك: يسعون. ابن عيينة: كأنهم يدفعون. وقال شمر بن عطية: هو مشي بين الهرولة والجَمَزَى. وقال الحسن: مشي بين مشيين؛ والمعنى متقارب. وكان سبب إسراعهم ما روي أن امرأة لوط الكافرة، لما رأت الأضياف وجمالهم وهيئتهم، خرجت حتى أتت مجالس قومها، فقالت لهم: إن لوطا قد أضاف الليلة فتية ما رئي مثلهم جمال؛ وكذا وكذا؛ فحينئذ جاؤوا يهرعون إليه. ويذكر أن الرسل لما وصلوا إلى بلد لوط وجدوا لوطا في حرث له. وقيل: وجدوا ابنته تستقي ماء من نهر سدوم؛ فسألوها الدلالة على من يضيفهم، ورأت هيئتهم فخافت عليهم من قوم لوط، وقالت لهم: مكانكم! وذهبت إلى أبيها فأخبرته؛ فخرج إليهم؛ فقالوا: نريد أن تضيفنا الليلة؛ فقال لهم: أوما سمعتم بعمل هؤلاء القوم؟ فقالوا: وما عملهم؟ فقال أشهد بالله إنهم لشر قوم في الأرض - وقد كان الله عز وجل، قال لملائكته لا تعذبوهم حتى يشهد لوط عليهم أربع شهادات - فلما قال لوط هذه المقالة، قال جبريل لأصحابه: هذه واحدة، وتردد القول بينهم حتى كرر لوط الشهادة أربع مرات، ثم دخل بهم المدينة.

قوله تعالى: « ومن قبل » أي ومن قبل مجيء الرسل. وقيل: من قبل لوط. « كانوا يعملون السيئات » أي كانت عادتهم إتيان الرجال. فلما جاؤوا إلى لوط وقصدوا أضيافه قام إليهم لوط مدافعا، وقال: « هؤلاء بناتي » ابتداء وخبر. وقد اختلف في قوله: « هؤلاء بناتي » فقيل: كان له ثلاث بنات من صلبه. وقيل: بنتان؛ زيتا وزعوراء؛ فقيل: كان لهم سيدان مطاعان فأراد أن يزوجهما ابنتيه. وقيل: ندبهم في هذه الحالة إلى النكاح، وكانت سنتهم جواز نكاح الكافر المؤمنة؛ وقد كان هذا في أول الإسلام جائزا ثم نسخ؛ فزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بنتا له من عتبة بن أبي لهب، والأخرى من أبي العاص بن الربيع قبل الوحي، وكانا كافرين. وقالت فرقة - منهم مجاهد وسعيد بن جبير - أشار بقوله: « بناتي » إلى النساء جملة؛ إذ نبي القوم أب لهم؛ ويقوي هذا أن في قراءة ابن مسعود. « النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم » [ الأحزاب: 6 ] . وقالت طائفة: إنما كان الكلام مدافعة ولم يرد إمضاءه؛ روي هذا القول عن أبي عبيدة؛ كما يقال لمن ينهى عن أكل مال الغير: الخنزير أحل لك من هذا. وقال عكرمة: لم يعرض عليهم بناته ولا بنات أمته، وإنما قال لهم هذا لينصرفوا.

قوله تعالى: « هن أطهر لكم » ابتداء وخبر؛ أي أزوجكموهن؛ فهو أطهر لكم مما تريدون، أي أحل. والتطهر التنزه عما لا يحل. وقال ابن عباس: ( كان رؤساؤهم خطبوا بناته فلم يجبهم، وأراد ذلك اليوم أن يفدي أضيافه ببناته ) . وليس ألف « أطهر » للتفضيل حتى يتوهم أن في نكاح الرجال طهارة، بل هو كقولك: الله أكبر وأعلى وأجل، وإن لم يكن تفضيل؛ وهذا جائز شائع في كلام العرب، ولم يكابر الله تعالى أحد حتى يكون الله تعالى أكبر منه. وقد قال أبو سفيان بن حرب يوم أحد: اعل هبل اعل هبل؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: ( قل الله أعلى وأجل ) . وهبل لم يكن قط عاليا ولا جليلا. وقرأ العامة برفع الراء. وقرأ الحسن وعيسى بن عمرو « هن أطهر » بالنصب على الحال. و « هن » عماد. ولا يجيز الخليل وسيبويه والأخفش أن يكون « هن » ههنا عمادا، وإنما يكون عمادا فيما لا يتم الكلام إلا بما بعدها، نحو كان زيد هو أخاك، لتدل بها على أن الأخ ليس بنعت. قال الزجاج: ويدل بها على أن كان تحتاج إلى خبر. وقال غيره: يدل بها على أن الخبر معرفة أو ما قارنها.

قوله تعالى: « فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي » أي لا تهينوني ولا تذلوني. ومنه قول حسان:
فأخزاك ربي يا عتيب بن مالك ولقاك قبل الموت إحدى الصواعق
مددت يمينا للنبي تعمدا ودميت فاه قطعت بالبوارق
ويجوز أن يكون من الخزاية، وهو الحياء، والخجل؛ قال ذو الرمة:
خزاية أدركته بعد جولته من جانب الحبل مخلوطا بها الغضب
وقال آخر:
من البيض لا تخزى إذا الريح ألصقت بها مرطها أو زايل الحلي جيدها
وضيف يقع للاثنين والجميع على لفظ الواحد، لأنه في الأصل مصدر؛ قال الشاعر:
لا تعدمي الدهر شفار الجازر للضيف والضيف أحق زائر
ويجوز فيه التثنية والجمع؛ والأول أكثر كقولك: رجال صوم وفطر وزور. وخزي الرجل خزاية؛ أي استحيا مثل ذل وهان. وخزي خزيا إذا افتضح؛ يخزى فيهما جميعا. ثم وبخهم بقوله: « أليس منكم رجل رشيد » أي شديد يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وقيل: « رشيد » أي ذو رشد. أو بمعنى راشد أو مرشد، أي صالح أو مصلح ابن عباس: مؤمن. أبو مالك: ناه عن المنكر. وقيل: الرشيد بمعنى الرشد؛ والرشد والرشاد الهدى والاستقامة. ويجوز أي يكون بمعنى المرشد؛ كالحكيم بمعنى المحكم.

الآية: 79 ( قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد )

قوله تعالى: « قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق » روي أن قوم لوط خطبوا بناته فردهم، وكانت سنتهم أن من رد في خطبة امرأة لم تحل له أبدا؛ فذلك قوله تعالى: « قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق » وبعد ألا تكون هذه الخاصية. فوجه الكلام أنه ليس، لنا إلى بناتك تعلق، ولا هن قصدنا، ولا لنا عادة نطلب ذلك. « وإنك لتعلم ما نريد » إشارة إلى الأضياف.

الآية: 80 ( قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد )

قوله تعالى: « قال لو أن لي بكم قوة » لما رأى استمرارهم في غيهم، وضعف عنهم، ولم يقدر على دفعهم، تمنى لو وجد عونا على ردهم؛ فقال على جهة التفجع والاستكانة. « لو أن لي بكم قوة » أي أنصارا وأعوانا. وقال ابن عباس: أراد الولد. و « أن » في موضع رفع بفعل مضمر، تقديره: لو اتفق أو وقع. وهذا يطرد في « أن » التابعة لـ « لو » . وجواب « لو » محذوف؛ أي لرددت أهل الفساد، وحلت بينهم وبين ما يريدون. « أو آوي إلى ركن شديد » أي ألجأ وأنضوي. وقرئ « أو آوي » بالنصب عطفا على « قوة » كأنه قال: « لو أن لي بكم قوة » أو إيواء إلى ركن شديد؛ أي وأن آوي، فهو منصوب بإضمار « أن » . ومراد لوط بالركن العشيرة، والمنعة بالكثرة. وبلغ بهم قبيح فعلهم إلى قوله هذا مع علمه بما عند الله تعالى؛ فيروى أن الملائكة وجدت عليه حين قال هذه الكلمات، وقالوا: إن ركنك لشديد. وفي البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( يرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد ) الحديث؛ وقد تقدم في « البقرة » . وخرجه الترمذي وزاد ( ما بعث الله بعده نبيا إلا في ثروة من قومه ) . قال محمد بن عمرو: والثروة الكثرة والمنعة؛ حديث حسن. ويروى أن لوطا عليه السلام لما غلبه قومه، وهموا بكسر الباب وهو يمسكه، قالت له الرسل: تنح عن الباب؛ فتنحى وانفتح الباب؛ فضربهم جبريل بجناحه فطمس أعينهم، وعموا وانصرفوا على أعقابهم يقولون: النجاء؛ قال الله تعالى: « ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم » [ القمر: 37 ] . وقال ابن عباس وأهل التفسير: أغلق لوط بابه والملائكة معه في الدار، وهو يناظر قومه ويناشدهم من وراء الباب، وهم يعالجون تسور الجدار؛ فلما رأت الملائكة ما لقي من الجهد والكرب والنصب بسببهم، قالوا: يا لوط إن ركنك لشديد، وأنهم آتيهم عذاب غير مردود، وإنا رسل ربك؛ فافتح الباب ودعنا وإياهم؛ ففتح الباب فضربهم جبريل بجناحه على ما تقدم. وقيل: أخذ جبريل قبضة من تراب فأذراها في وجوههم، فأوصل الله إلى عين من بعد ومن قرب من ذلك التراب فطمس أعينهم، فلم يعرفوا طريقا، ولا اهتدوا إلى بيوتهم، وجعلوا يقولون: النجاء النجاء! فإن في بيت لوط قوما هم أسحر من على وجه الأرض، وقد سحرونا فأعموا أبصارنا. وجعلوا يقولون: يا لوط كما أنت حتى نصبح فسترى؛ يتوعدونه.

الآية: 81 ( قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب )

قوله تعالى: « قالوا يا لوط إنا رسل ربك » لما رأت الملائكة حزنه واضطرابه ومدافعته عرفوه بأنفسهم، فلما علم أنهم رسل مكن قومه من الدخول، فأمر جبريل عليه السلام يده على أعينهم فعموا، وعلى أيديهم فجفت. « لن يصلوا إليك » أي بمكروه « فأسر بأهلك » قرئ « فاسر » بوصل الألف وقطعها؛ لغتان فصيحتان. قال الله تعالى: « والليل إذا يسر » [ الفجر: 4 ] وقال: « سبحان الذي أسرى » [ الإسراء: 1 ] وقال النابغة: فجمع بين اللغتين:
أسرت عليه من الجوزاء سارية تزجي الشمال عليه جامد البرد
وقال آخر:
حي النضيرة ربة الخدر أسرت إليك ولم تكن تسري
وقد قيل: « فأسر » بالقطع إذا سار من أول الليل، وسرى إذا سار من آخره؛ ولا يقال في النهار إلا سار. وقال لبيد:
إذا المرء أسرى ليلة ظن أنه قضى عملا والمرء ما عاش عامل
وقال عبدالله بن رواحة:
عند الصباح يحمد القوم السرى وتنجلي عنهم غيابات الكرى
« بقطع من الليل » قال ابن عباس: بطائفة من الليل. الضحاك: ببقية من الليل. قتادة: بعد مضي صدر من الليل. الأخفش: بعد جنح من الليل. ابن الأعرابي: بساعة من الليل. وقيل: بظلمة من الليل. وقيل: بعد هدء من الليل. وقيل: هزيع من الليل. وكلها متقاربة؛ وقيل: إنه نصف الليل؛ مأخوذ من قطعه نصفين؛ ومنه قول الشاعر:
ونائحة تنوح بقطع ليل على رجل بقارعة الصعيد
فإن قيل: السرى لا يكون إلا بالليل، فما معنى « بقطع من الليل » ؟ فالجواب: أنه لو لم يقل: « بقطع من الليل » جاز أن يكون أوله. « ولا يلتفت منكم أحد » أي لا ينظر وراءه منكم أحد؛ قال مجاهد. ابن عباس: لا يتخلف منكم أحد. علي بن عيسى لا يشتغل منكم أحد بما يخلفه من مال أو متاع. « إلا امرأتك » بالنصب؛ وهي القراءة الواضحة البينة المعنى؛ أي فأسر بأهلك إلا امرأتك. وكذا في قراءة ابن مسعود « فأسر بأهلك إلا امرأتك » فهو استثناء من الأهل. وعلى هذا لم يخرج بها معه. وقد قال الله عز وجل: « كانت من الغابرين » [ الأعراف: 83 ] أي من الباقين. وقرأ أبو عمرو وابن كثير: « إلا امرأتك » بالرفع على البدل من « أحد » . وأنكر هذه القراءة جماعة منهم أبو عبيد؛ وقال: لا يصح ذلك إلا برفع « يلتفت » ويكون نعتا؛ لأن المعنى يصير - إذا أبدلت وجزمت - أن المرأة أبيح لها الالتفات، وليس المعنى كذلك. قال النحاس: وهذا الحمل من أبي عبيد وغيره على مثل أبي عمرو مع جلالته ومحله من العربية لا يجب أن يكون؛ والرفع على البدل له معنى صحيح، والتأويل له على ما حكى محمد بن الوليد عن محمد بن يزيد أن يقول الرجل لحاجبه: لا يخرج فلان؛ فلفظ النهي لفلان ومعناه للمخاطب؛ أي لا تدعه يخرج؛ ومثله قولك: لا يقم أحد إلا زيد؛ يكون معناه: انههم عن القيام إلا زيدا؛ وكذلك النهي للوط ولفظه لغيره؛ كأنه قال: انههم لا يلتفت منهم أحد إلا امرأتك فإنها تلتفت وتهلك، وأن النهي عن الالتفات لأنه كلام تام؛ أي لا يلتفت، منكم أحد إلا امرأتك فإنها تلتفت وتهلك، وأن لوطا خرج بها، ونهى من معه ممن أسرى بهم ألا يلتفت، فلم يلتفت منهم أحد سوى زوجته؛ فإنها لما سمعت هدة العذاب التفتت وقالت: واقوماه! فأدركها حجر فقتلها. « إنه مصيبها » أي من العذاب، والكناية في « إنه » ترجع إلى الأمر والشأن؛ أي فإن الأمر والشأن والقصة. « مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح » لما قالت الملائكة: « إنا مهلكو أهل هذه القرية » [ العنكبوت: 31 ] قال لوط: الآن الآن. استعجلهم بالعذاب لغيظه على قومه؛ فقالوا: « أليس الصبح بقريب » وقرأ عيسى بن عمر « أليس الصبح » بضم الباء وهي لغة. ويحتمل أن يكون جعل الصبح ميقاتا لهلاكهم؛ لأن النفوس فيه أودع، والناس فيه أجمع. وقال بعض أهل التفسير: إن لوطا خرج بابنتيه ليس معه غيرهما عند طلوع الفجر؛ وأن الملائكة قالت له: إن الله قد وكل بهذه القرية ملائكة معهم صوت رعد، وخطف برق، وصواعق عظيمة، وقد ذكرنا لهم أن لوطا سيخرج فلا تؤذوه؛ وأمارته أنه لا يلتفت، ولا تلتفت ابنتاه فلا يهولنك ما ترى. فخرج لوط وطوى الله له الأرض في وقته حتى نجا ووصل إلى إبراهيم.



 

رد مع اقتباس
قديم 05-12-2017, 12:30 AM   #12


الصورة الرمزية دفء وحنان
دفء وحنان غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 19
 تاريخ التسجيل :  Apr 2016
 العمر : 50
 أخر زيارة : 01-31-2018 (02:37 PM)
 المشاركات : 8,373 [ + ]
 التقييم :  10
 الدولهـ
Jordan
 الجنس ~
Female
لوني المفضل : Cadetblue
اخر مواضيعي
افتراضي



الآيتان: 82 - 83 ( فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود، مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد )

قوله تعالى: « فلما جاء أمرنا » أي عذابنا. « جعلنا عاليها سافلها » وذلك أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه تحت قرى قوم لوط، وهي خمس: سدوم - وهي القرية العظمى، - وعامورا، ودادوما، وضعوه، وقتم، فرفعها من تخوم الأرض حتى أدناها من السماء بما في فيها؛ حتى سمع أهل السماء نهيق حمرهم وصياح ديكتهم، لم تنكفئ لهم جرة، ولم ينكسر لهم إناء، ثم نكسوا على رؤوسهم، وأتبعهم الله بالحجارة. مقاتل. أهلكت أربعة، ونجت ضعوه. وقيل: غير هذا، والله أعلم.

قوله تعالى: « وأمطرنا عليها حجارة من سجيل » دليل على أن من فعل فعلهم حكمه الرجم، وقد تقدم في « الأعراف » . وفي التفسير: أمطرنا في العذاب، ومطرنا في الرحمة. وأما كلام العرب فيقال: مطرت السماء وأمطرت: حكاه الهروي. واختلف في « السجيل » فقال النحاس: السجيل الشديد الكثير؛ وسجيل وسجين اللام والنون أختان. وقال أبو عبيدة: السجيل الشديد؛ وأنشد:
ضربا تواصى به الأبطال سجينا
قال النحاس: ورد عليه هذا القول عبدالله بن مسلم وقال: هذا سجين وذلك سجيل فكيف يستشهد به؟! قال النحاس: وهذا الرد لا يلزم؛ لأن أبا عبيدة ذهب إلى أن اللام تبدل من النون لقرب إحداهما من الأخرى؛ وقول أبي عبيدة يرد من جهة أخرى؛ وهي أنه لو كان على قوله لكان حجارة سجيلا؛ لأنه لا يقال: حجارة من شديد؛ لأن شديدا نعت. وحكى أبو عبيدة عن الفراء أنه قد يقال لحجارة الأرحاء سجيل. وحكى عنه محمد بن الجهم أن سجيلا طين يطبخ حتى يصير بمنزلة الأرحاء. وقالت طائفة منهم ابن عباس وسعيد بن جبير وابن إسحاق: إن سجيلا لفظة غير عربية عربت، أصلها سنج وجيل. ويقال: سنك وكيل؛ بالكاف موضع الجيم، وهما بالفارسية حجر وطين عربتهما العرب فجعلتهما اسما واحدا. وقيل: هو من لغة العرب. وقال قتادة وعكرمة: السجيل الطين بدليل قوله « لنرسل عليهم حجارة من طين » [ الذاريات: 33 ] . وقال الحسن: كان أصل الحجارة طينا فشددت. والسجيل عند العرب كل شديد صلب. وقال الضحاك: يعني الآجر. وقال ابن زيد: طين طبخ حتى كان كالآجر؛ وعنه أن سجيلا اسم السماء الدنيا؛ ذكره المهدوي؛ وحكاه الثعلبي عن أبي العالية؛ وقال ابن عطية: وهذا ضعيف يرده وصفه بـ « منضود » . وعن عكرمة: أنه بحر معلق في الهواء بين السماء والأرض منه نزلت الحجارة. وقيل: هي جبال في السماء، وهي التي أشار الله تعالى إليها بقوله: « وينزل من السماء من جبال فيها من برد » [ النور: 43 ] . وقيل: هو مما سجل لهم أي كتب لهم أن يصيبهم؛ فهو في معنى سجين؛ قال الله تعالى: « وما أدراك ما سجين. كتاب مرقوم » [ المطففين: 8 ] قاله الزجاج واختاره. وقيل: هو فعيل من أسجلته أي أرسلته؛ فكأنها مرسلة عليهم. وقيل: هو من أسجلته إذا أعطيته؛ فكأنه عذاب أعطوه؛ قال:
من يساجلني يساجل ماجدا يملأ الدلو إلى عقد الكرب
وقال أهل المعاني: السجيل والسجين الشديد من الحجر والضرب؛ قال ابن مقبل:
ورجلة يضربون البيض ضاحية ضربا تواصى به الأبطال سجينا
« منضود » قال ابن عباس: متتابع. وقال قتادة: نضد بعضها فوق بعض. وقال الربيع: نضد بعضه على بعض حتى صار جسدا واحدا. وقال عكرمة: مصفوف. وقال بعضهم مرصوص؛ والمعنى متقارب. يقال: نضدت المتاع واللبن إذا جعلت بعضه على بعض، فهو منضود ونضيد ونضد؛ قال:
ورفعته إلى السجفين فالنضد
وقال أبو بكر الهذلي: معد؛ أي هو مما أعده الله لأعدائه الظلمة. « مسومة » أي معلمة، من السيما وهي العلامة؛ أي كان عليها أمثال الخواتيم. وقيل: مكتوب على كل حجر اسم من رمي به، وكانت لا تشاكل حجارة الأرض. وقال الفراء: زعموا أنها كانت بحمرة وسواد في بياض، فذلك تسويمها. وقال كعب: كانت معلمة ببياض وحمرة، وقال الشاعر:
غلام رماه الله بالحسن يافعا له سيمياء لا تشق على البصر
و « مسومة » من نعت حجارة. و « منضود » من نعت « سجيل » . وفي قوله: « عند ربك » دليل على أنها ليست من حجارة الأرض؛ قاله الحسن. « وما هي من الظالمين ببعيد » يعني قوم لوط؛ أي لم تكن تخطئهم. وقال مجاهد: يرهب قريشا؛ المعنى: ما الحجارة من ظالمي قومك يا محمد ببعيد. وقال قتادة وعكرمة: يعني ظالمي هذه الأمة؛ والله ما أجار الله منها ظالما بعد. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( سيكون في آخر أمتي قوم يكتفي رجالهم بالرجال ونساؤهم بالنساء فإذا كان ذلك فارتقبوا عذاب قوم لوط أن يرسل الله عليهم حجارة من سجيل ) ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم « وما هي من الظالمين ببعيد » . وفي رواية عنه عليه السلام ( لا تذهب الليالي والأيام حتى تستحل هذه الأمة أدبار الرجال كما استحلوا أدبار النساء فتصيب طوائف من هذه الأمة حجارة من ربك ) . وقيل: المعنى ما هذه القرى من الظالمين ببعيد؛ وهي بين الشام والمدينة. وجاء « ببعيد » مذكرا على معنى بمكان بعيد. وفي الحجارة التي أمطرت قولان: أحدهما. أنها أمطرت على المدن حين رفعها جبريل. الثاني: أنها أمطرت على من لم يكن في المدن من أهلها وكان خارجا عنها.

الآية: 84 ( وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط )

قوله تعالى: « وإلى مدين أخاهم شعيبا » أي وأرسلنا إلى مدين، ومدين هم قوم شعيب. وفي تسميتهم بذلك قولان: أحدهما: أنهم بنو مدين بن إبراهيم؛ فقيل: مدين والمراد بنو مدين. كما يقال مضر والمراد بنو مضر. الثاني: أنه اسم مدينتهم، فنسبوا إليها. قال النحاس: لا ينصرف مدين لأنه اسم مدينة؛ وقد تقدم في « الأعراف » هذا المعنى وزيادة. « قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره » تقدم. « ولا تنقصوا المكيال والميزان » كانوا مع كفرهم أهل بخس وتطفيف؛ كانوا إذا جاءهم البائع بالطعام أخذوا بكيل زائد، واستوفوا بغاية ما يقدرون عليه وظلموا؛ وإن جاءهم مشتر للطعام باعوه بكيل ناقص، وشحوا له بغاية ما يقدرون؛ فأمروا بالإيمان إقلاعا عن الشرك، وبالوفاء نهيا عن التطفيف. « إني أراكم بخير » أي في سعة من الرزق، وكثرة من النعم. وقال الحسن: كان سعرهم رخيصا. « وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط » وصف اليوم بالإحاطة، وأراد وصف ذلك اليوم بالإحاطة بهم؛ فإن يوم العذاب إذا أحاط بهم فقد أحاط العذاب بهم، وهو كقولك: يوم شديد؛ أي شديد حره. واختلف في ذلك العذاب؛ فقيل: هو عذاب النار في الآخرة. وقيل: عذاب الاستئصال في الدنيا. وقيل: غلاء السعر؛ روي معناه عن ابن عباس. وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( ما أظهر قوم البخس في المكيال والميزان إلا ابتلاهم الله بالقحط والغلاء ) . وقد تقدم.

الآية: 85 ( ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين )

قوله تعالى: « ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط » أمر بالإيفاء بعد أن نهى عن التطفيف تأكيدا. والإيفاء الإتمام. « بالقسط » أي بالعدل والحق، والمقصود أن يصل كل ذي كل نصيب إلى نصيبه؛ وليس يريد إيفاء المكيال والموزون لأنه لم يقل: أوفوا بالمكيال وبالميزان؛ بل أراد ألا تنقصوا حجم المكيال عن المعهود، وكذا الصنجات. « ولا تبخسوا الناس أشياءهم » أي لا تنقصوهم مما استحقوه شيئا. « ولا تعثوا في الأرض مفسدين » بين أن الخيانة في المكيال والميزان مبالغة في الفساد في الأرض، وقد مضى في « الأعراف » زيادة لهذا، والحمد لله.

الآية: 86 ( بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ )

قوله تعالى: « بقية الله خير لكم » أي ما يبقيه الله لكم بعد إيفاء الحقوق بالقسط أكثر بركة، وأحمد عاقبة مما تبقونه أنتم لأنفسكم من فضل التطفيف بالتجبر والظلم؛ قال معناه الطبري، وغيره. وقال مجاهد: « بقية الله خير لكم » يريد طاعته. وقال الربيع: وصية الله. وقال الفراء: مراقبة الله. ابن زيد: رحمة الله. قتادة والحسن: حظكم من ربكم خير لكم. وقال ابن عباس: رزق الله خير لكم. « إن كنتم مؤمنين » شرط هذا لأنهم إنما يعرفون صحة هذا إن كانوا مؤمنين. وقيل: يحتمل أنهم كانوا يعترفون بأن الله خالقهم فخاطبهم بهذا. « وما أنا عليكم بحفيظ » أي رقيب أرقبكم عند كيلكم ووزنكم؛ أي لا يمكنني شهود كل معاملة تصدر منكم حتى أؤاخذكم بإيفاء الحق. وقيل: أي لا يتهيأ لي أن أحفظكم من إزالة نعم الله عليكم بمعاصيكم.

الآية: 87 ( قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد )

قوله تعالى: « قالوا يا شعيب أصلواتك » وقرئ « أصَلاتُك » من غير جمع. « تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا » « أن » في موضع نصب؛ قال الكسائي: موضعها خفض على إضمار الباء. وروي أن شعيبا عليه السلام كان كثير الصلاة، مواظبا على العبادة فرضها ونقلها ويقول: الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر؛ فلما أمرهم ونهاهم عيروه بما رأوه يستمر عليه من كثرة الصلاة، واستهزؤوا به فقالوا ما أخبر الله عنهم. وقيل: إن الصلاة هنا بمعنى القراءة؛ قاله سفيان عن الأعمش، أي قراءتك تأمرك؛ ودل بهذا على أنهم كانوا كفارا. وقال الحسن: لم يبعث الله نبيا إلا فرض عليه الصلاة والزكاة. « أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء » زعم الفراء أن التقدير: أو تنهانا أن نفعل في أموالنا ما نشاء. وقرأ السلمي والضحاك بن قيس « أو أن تفعل في أموالنا ما تشاء » بالتاء في الفعلين، والمعنى: ما تشاء أنت يا شعيب. وقال النحاس: « أو أن » على هذه القراءة معطوفة على « أن » الأولى. وروي عن زيد بن أسلم أنه قال: كان مما نهاهم عنه حذف الدراهم. وقيل: معنى. « أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء » إذا تراضينا فيما بيننا بالبخس فلم تمنعنا منه؟!. « إنك لأنت الحليم الرشيد » يعنون عند نفسك بزعمك. ومثله في صفة أبي جهل: « ذق إنك أنت العزيز الكريم » [ الدخان: 49 ] أي عند نفسك بزعمك. وقيل: قالوه على وجه الاستهزاء والسخرية، قاله قتادة. ومنه قولهم للحبشي: أبو البيضاء، وللأبيض أبو الجون؛ ومنه قول خزنة جهنم لأبي جهل: « ذق إنك أنت العزيز الكريم » . وقال سفيان بن عيينة: العرب تصف الشيء بضده للتطير والتفاؤل؛ كما قيل للديغ سليم، وللفلاة مفازة. وقيل: هو تعريض أرادوا به السب؛ وأحسن من هذا كله، ويدل ما قبله على صحته؛ أي إنك أنت الحليم الرشيد حقا، فكيف تأمرنا أن نترك ما يعبد آباؤنا! ويدل عليه. « أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا » أنكروا لما رأوا من كثرة صلاته وعبادته، وأنه حليم رشيد بأن يكون يأمرهم بترك ما كان يعبد آباؤهم، وبعده أيضا ما يدل عليه.

الآية: 88 ( قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب )

قوله تعالى: « قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي » أي أفلا أنهاكم عن الضلال؟! وهذا كله يدل على أنهم قالوه على وجه الحقيقة، وأنه اعتقادهم فيه. ويشبه هذا المعنى قول اليهود من بني قريظة للنبي صلى الله عليه وسلم حين قال لهم: ( يا إخوة القردة ) فقالوا: يا محمد ما علمناك جهولا!.

مسألة: قال أهل التفسير: كان مما ينهاهم عنه، وعذبوا لأجله قطع الدنانير والدراهم؛ كانوا يقرضون من أطراف الصحاح لتفضل لهم القراضة، وكانوا يتعاملون على الصحاح عدا، وعلى المقروضة وزنا، وكانوا يبخسون في الوزن. وقال ابن وهب قال مالك: كانوا يكسرون الدنانير والدراهم، وكذلك قال جماعة من المفسرين المتقدمين كسعيد بن المسيب، وزيد بن أسلم وغيرهما؛ وكسرهما ذنب عظيم. وفي كتاب أبي داود عن علقمة بن عبدالله عن أبيه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تكسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس؛ فإنها إذا كانت صحاحا قام معناها؛ وظهرت فائدتها، وإذا كسرت صارت سلعة، وبطلت منها الفائدة؛ فأضر ذلك، بالناس؛ ولذلك حرم. وقد قيل في تأويل قوله تعالى: « وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون » [ النمل: 48 ] أنهم كانوا يكسرون الدراهم؛ قاله زيد بن أسلم. قال أبو عمر بن عبدالبر: زعموا أنه لم يكن بالمدينة أعلم بتأويل القرآن من زيد بن أسلم بعد محمد بن كعب القرظي.

مسألة: قال أصبغ قال عبدالرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة مولى زيد بن الحارث العتقي: من كسرها لم تقبل شهادته، وإن اعتذر بالجهالة لم يعذر، وليس هذا بموضع عذر؛ قال ابن العربي: أما قوله: لم تقبل شهادته فلأنه أتى كبيرة، والكبائر تسقط العدالة دون الصغائر؛ وأما قوله: لا يقبل عذره بالجهالة في هذا فلأنه أمر بين لا يخفى على أحد، وإنما يقبل العذر إذا ظهر الصدق فيه، أو خفي وجه الصدق فيه، وكان الله أعلم به من العبد كما قال مالك.
مسألة: إذا كان هذا معصية وفسادا ترد به الشهادة فإنه يعاقب من فعل ذلك، ومر ابن المسيب برجل قد جلد فقال: ما هذا؟ قال رجل: يقطع الدنانير والدراهم؛ قال ابن المسيب: هذا من الفساد في الأرض؛ ولم ينكر جلده؛ ونحوه عن سفيان. وقال أبو عبدالرحمن النجيبي: كنت قاعدا عند عمر بن عبدالعزيز وهو إذ ذاك أمير المدينة فأتى برجل يقطع الدراهم وقد شهد عليه فضربه وحلقه، وأمر فطيف به، وأمره أن يقول: هذا جزاء من يقطع الدراهم؛ ثم أمر أن يرد إليه؛ فقال: إنه لم يمنعني أن أقطع يدك إلا أني لم أكن تقدمت في ذلك قبل اليوم، وقد تقدمت في ذلك فمن شاء فليقطع. قال القاضي أبو بكر بن العربي: أما أدبه بالسوط فلا كلام فيه، وأما حلقه فقد فعله عمر؛ وقد كنت أيام الحكم بين الناس أضرب وأحلق، وإنما كنت أفعل ذلك بمن يرى شعره عونا له على المعصية، وطريقا إلى التجمل به في الفساد، وهذا هو الواجب في كل طريق للمعصية، أن يقطع إذا كان غير مؤثر في البدن، وأما قطع يده فإنما أخذ ذلك عمر من فصل السرقة؛ وذلك أن قرض الدراهم غير كسرها، فإن الكسر إفساد الوصف، والقرض تنقيص للقدر، فهو أخذ مال على جهة الاختفاء؛ فإن قيل: أليس الحرز أصلا في القطع؟ قلنا: يحتمل أن يكون عمر يرى أن تهيئتها للفصل بين الخلق دينارا أو درهما حرز لها، وحرز كل شيء على قدر حاله؛ وقد أنفذ ذلك ابن الزبير، وقطع يد رجل في قطع الدنانير والدراهم. وقد قال علماؤنا المالكية: إن الدنانير والدراهم خواتيم الله عليها اسمه؛ ولو قطع على قول أهل التأويل من كسر خاتما لله كان أهلا لذلك، أو من كسر خاتم سلطان عليه اسمه أدب، وخاتم الله تقضى به الحوائج فلا يستويان في العقوبة. قال ابن العربي: وأرى أن يقطع في قرضها دون كسرها، وقد كنت أفعل ذلك أيام توليتي الحكم، إلا أني كنت محفوفا بالجهال، فلم أجبن بسبب المقال للحسدة الضلال فمن قدر عليه يوما من أهل الحق فليفعله احتسابا لله تعالى.

قوله تعالى: « ورزقني منه رزقا حسنا » أي واسعا حلالا، وكان شعيب عليه السلام كثير المال، قاله ابن عباس وغيره. وقيل: أراد به. الهدى والتوفيق، والعلم والمعرفة، وفي الكلام حذف، وهو ما ذكرناه؛ أي أفلا أنهاكم عن الضلال! وقيل: المعنى « أرأيتم إن كنت على بينة من ربي » أتبع الضلال؟ وقيل: المعنى « أرأيتم إن كنت على بينة من ربي » أتأمرونني بالعصيان في البخس والتطفيف، وقد أغناني الله عنه. « وما أريد أن أخالفكم » في موضع نصب بـ « أريد » . « إلى ما أنهاكم عنه » أي ليس أنهاكم عن شيء وأرتكبه، كما لا أترك ما أمرتكم به. « إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت » أي ما أريد إلا فعل الصلاح؛ أي أن تصلحوا دنياكم بالعدل، وآخرتكم بالعبادة، وقال: « ما استطعت » لأن الاستطاعة من شروط الفعل دون الإرادة. و « ما » مصدرية؛ أي إن أريد إلا الإصلاح جهدي واستطاعتي. « وما توفيقي » أي رشدي، والتوفيق الرشد. « إلا بالله عليه توكلت » أي اعتمدت. « وإليه أنيب » أي أرجع فيما ينزل بي من جميع النوائب. وقيل: إليه أرجع في الآخرة. وقيل: إن الإنابة الدعاء، ومعناه وله أدعو.


 

رد مع اقتباس
قديم 05-12-2017, 12:30 AM   #13


الصورة الرمزية دفء وحنان
دفء وحنان غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 19
 تاريخ التسجيل :  Apr 2016
 العمر : 50
 أخر زيارة : 01-31-2018 (02:37 PM)
 المشاركات : 8,373 [ + ]
 التقييم :  10
 الدولهـ
Jordan
 الجنس ~
Female
لوني المفضل : Cadetblue
اخر مواضيعي
افتراضي



الآية: 89 ( ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد )

قوله تعالى: « ويا قوم لا يجرمنكم » وقرأ يحيى بن وثاب « يُجْرِمَنَّكُمْ » . لا يدخلنكم في الجرم؛ كما تقول: آثمني أي أدخلني في الإثم. « شقاقي » في موضع رفع. « أن يصيبكم » في موضع نصب، أي لا يحملنكم معاداتي على ترك الإيمان فيصيبكم ما أصاب الكفار قبلكم، قاله الحسن وقتادة. وقيل: لا يكسبنكم شقاقي إصابتكم العذاب، كما أصاب من كان قبلكم، قاله الزجاج. وقد تقدم معنى « يجرمنكم » في « المائدة » و « الشقاق » في « البقرة » وهو هنا بمعنى العداوة، قاله السدي، ومنه قول الأخطل:
ألا من مبلغ عني رسولا فكيف وجدتم طعم الشقاق
وقال الحسن البصري: إضراري. وقال قتادة: فراقي. « وما قوم لوط منكم ببعيد » وذلك أنهم كانوا حديثي عهد بهلاك قوم لوط. وقيل: وما ديار قوم لوط منكم ببعيد؛ أي بمكان بعيد، فلذلك وحد البعيد. قال الكسائي: أي دورهم في دوركم.

الآية: 90 ( واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود )

قوله تعالى: « واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه » تقدم. « إن ربي رحيم ودود » اسمان من أسمائه سبحانه، وقد بيناهما في كتاب « الأسنى في شرح الأسماء الحسنى » . قال الجوهري: وددت الرجل أوده ودا إذا أحببته، والودود المحب، والود والود والود والمودة المحبة. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا ذكر شعيبا قال: ( ذاك خطيب الأنبياء ) .

الآية: 91 ( قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز )

قوله تعالى: « قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول » أي ما نفهم؛ لأنك تحملنا على أمور غائبة من البعث والنشور، وتعظنا بما لا عهد لنا بمثله. وقيل: قالوا ذلك إعراضا عن سماعه، واحتقارا لكلامه؛ يقال: فقه يفقه إذا فهم فقها؛ وحكى الكسائي: فقه فقها وفقها إذا صار فقيها. « وإنا لنراك فينا ضعيفا » قيل: إنه كان مصابا ببصره؛ قاله سعيد بن جبير وقتادة. وقيل: كان ضعيف البصر؛ قاله الثوري، وحكى عنه النحاس مثل قول سعيد بن جبير وقتادة. قال النحاس: وحكى أهل اللغة أن حمير تقول للأعمى ضعيفا؛ أي قد ضعف بذهاب بصره؛ كما يقال، له ضرير؛ أي قد ضر بذهاب بصره؛ كما يقال له: مكفوف؛ أي قد كف عن النظر بذهاب بصره. قال الحسن: معناه مهين. وقيل: المعنى ضعيف البدن؛ حكاه علي بن عيسى. وقال السدي: وحيدا ليس لك جند وأعوان تقدر بها على مخالفتنا. وقيل: قليل المعرفة بمصالح الدنيا وسياسة أهلها و « ضعيفا » نصب على الحال. « ولولا رهطك » رفع بالابتداء، ورهط الرجل عشيرته الذي يستند إليهم ويتقوى بهم؛ ومنه الراهطاء لجحر اليربوع؛ لأنه يتوثق به ويخبأ فيه ولده. ومعنى « لرجمناك » لقتلناك بالرجم، وكانوا إذا قتلوا إنسانا رجموه بالحجارة، وكان رهطه من أهل ملتهم. وقيل: معنى « لرجمناك » لشتمناك؛ ومنه قول الجعدي:
تراجمنا بمر القول حتى نصير كأننا فرسا رهان
والرجم أيضا اللعن؛ ومنه الشيطان الرجيم. « وما أنت علينا بعزيز » أي ما أنت علينا بغالب ولا قاهر ولا ممتنع.

الآية: 92 ( قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا إن ربي بما تعملون محيط )

قوله تعالى: « قال يا قوم أرهطي » « أرهطي » رفع بالابتداء؛ والمعنى أرهطي في قلوبكم « أعز عليكم من الله » وأعظم وأجل وهو يملككم. « واتخذتموه وراءكم ظهريا » أي اتخذتم ما جئتكم به من أمر الله ظهريا؛ أي جعلتموه وراء ظهوركم، وامتنعتم من قتلي مخافة قومي يقال: جعلت أمره بظهر إذا قصرت فيه، وقد مضى في « البقرة » ، « إن ربي بما تعملون » أي من الكفر والمعصية. « محيط » أي عليم. وقيل: حفيظ.

الآيتان: 93 ( ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب )

قوله تعالى: « ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون » تهديد ووعيد؛ وقد تقدم في « الأنعام » . « من يأتيه عذاب يخزيه » أي يهلكه. و « من » في موضع نصب، مثل « يعلم المفسد من المصلح » [ البقرة: 220 ] . « ومن هو كاذب » عطف عليها. وقيل: أي وسوف تعلمون من هو كاذب منا. وقيل: في محل رفع؛ تقديره: ويخزي من هو كاذب. وقيل: تقديره ومن هو كاذب فسيعلم كذبه، ويذوق وبال أمره. وزعم الفراء أنهم إنما جاؤوا بـ « هو » في « ومن هو كاذب » لأنهم لا يقولون من قائم؛ إنما يقولون: من قام، ومن يقوم، ومن القائم؛ فزادوا « هو » ليكون جملة تقوم مقام فعل ويفعل. قال النحاس: ويدل على خلاف هذا قوله:
من رسولي إلى الثريا بأني ضقت ذرعا بهجرها والكتاب
« وارتقبوا إني معكم رقيب » أي انتظروا العذاب والسخطة؛ فإني منتظر النصر والرحمة.

الآية: 94 - 95 ( ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين، كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود )

قوله تعالى: « ولما جاء أمرنا » قيل: صاح بهم جبريل صيحة فخرجت أرواحهم من أجسادهم « وأخذت الذين ظلموا الصيحة » أي صيحة جبريل. وأنث الفعل على لفظ الصيحة، وقال في قصة صالح: « وأخذ الذين ظلموا الصيحة » فذكر على معنى الصياح. قال ابن عباس: ما أهلك الله أمتين بعذاب واحد إلا قوم صالح وقوم شعيب، أهلكهم الله بالصيحة؛ غير أن قوم صالح أخذتهم الصيحة من تحتهم، وقوم شعيب أخذتهم الصيحة من فوقهم. « فأصبحوا في ديارهم جاثمين، كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود » تقدم معناه. وحكى الكسائي أن أبا عبدالرحمن السلمي قرأ « كما بعدت ثمود » بضم العين. قال النحاس: المعروف في اللغة إنما يقال بعد يبعد بعدا وبعدا إذا هلك. وقال المهدوي: من ضم العين من « بعدت » فهي لغة تستعمل في الخير والشر، ومصدرها البعد؛ وبعدت تستعمل في الشر خاصة؛ يقال: بعد يبعد بعدا؛ فالبعد على قراءة الجماعة بمعنى اللعنة، وقد يجتمع معنى اللغتين لتقاربهما في المعنى؛ فيكون مما جاء مصدره على غير لفظه لتقارب المعاني.

الآيتان: 96 - 97 ( ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين، إلى فرعون وملئه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد )

قوله تعالى: « ولقد أرسلنا موسى بآياتنا » بين أنه أتبع النبي النبي لإقامة الحجة، وإزاحة كل علة « بآياتنا » أي بالتوراة. وقيل: بالمعجزات. « وسلطان مبين » أي حجة بينة؛ يعني العصا. وقد مضى في « آل عمران » معنى السلطان واشتقاقه فلا معنى للإعادة. « إلى فرعون وملئه فاتبعوا أمر فرعون » أي شأنه وحاله، حتى اتخذوه إلها، وخالفوا أمر الله تعالى. « وما أمر فرعون برشيد » أي بسديد يؤدي إلى صواب: وقيل: « برشيد » أي بمرشد إلى خير.

الآية: 98 ( يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود )

قوله تعالى: « يقدم قومه يوم القيامة » يعني أنه يتقدمهم إلى النار إذ هو رئيسهم. يقال: قدمهم يقدمهم قدما وقدوما إذا تقدمهم. « فأوردهم النار » أي أدخلهم فيها. ذكر بلفظ الماضي؛ والمعنى فيوردهم النار؛ وما تحقق وجوده فكأنه كائن؛ فلهذا يعبر عن المستقبل بالماضي. « وبئس الورد المورود » أي بئس المدخل المدخول؛ ولم يقل بئست لأن الكلام يرجع إلى المورود، وهو كما تقول: نعم المنزل دارك، ونعمت المنزل دارك. والمورود الماء الذي يورد، والموضع الذي يورد؛ وهو بمعنى المفعول.

الآية: 99 ( وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود )

قوله تعالى: « وأتبعوا في هذه لعنة » أي في الدنيا. « ويوم القيامة » أي ولعنة يوم القيامة؛ وقد تقدم هذا المعنى. « بئس الرفد المرفود » حكى الكسائي وأبو عبيدة: رفدته أرفده رفدا؛ أي أعنته وأعطيته. واسم العطية الرفد؛ أي بئس العطاء والإعانة. والرفد أيضا القدح الضخم؛ قاله الجوهري، والتقدير: بئس الرفد رفد المرفود. وذكر الماوردي: أن الرفد بفتح الراء القدح، والرفد بكسرها ما في القدح من الشراب؛ حكى ذلك عن الأصمعي؛ فكأنه ذم بذلك ما يسقونه في النار. وقيل: إن الرفد الزيادة؛ أي بئس ما يرفدون به بعد الغرق النار؛ قاله الكلبي.

الآيتان: 100 - 101 ( ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد، وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب )

قوله تعالى: « ذلك من أنباء القرى نقصه عليك » « ذلك » رفع على إضمار مبتدأ، أي الأمر ذلك. وإن شئت بالابتداء؛ والمعنى: ذلك النبأ المتقدم من أنباء القرى نقصه عليك. « منها قائم وحصيد » قال قتادة: القائم ما كان خاويا على عروشه، والحصيد ما لا أثر له. وقيل: القائم العامر، والحصيد الخراب؛ قاله ابن عباس: وقال مجاهد: قائم خاوية على عروشها، وحصيد مستأصل؛ يعني محصودا كالزرع إذا حصد؛ قال الشاعر:
والناس في قسم المنية بينهم كالزرع منه قائم وحصيد
وقال آخر:
إنما نحن مثل خامة زرع فمتى يأن يأت محتصده
قال الأخفش سعيد: حصيد أي محصود، وجمعه حصدى وحصاد مثل مرضى ومراض؛ قال: يكون فيمن يعقل حصدى، مثل قتيل وقتلى. « وما ظلمناهم » أصل الظلم في اللغة وضع الشيء في غير موضعه، وقد تقدم في « البقرة » مستوفى. « ولكن ظلموا أنفسهم » بالكفر والمعاصي. وحكى سيبويه أنه يقال: ظلم إياه « فما أغنت » أي دفعت. « عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء » في الكلام حذف، أي التي كانوا يعبدون؛ أي يدعون. « وما زادوهم غير تتبيب » أي غير تخسير؛ قاله مجاهد وقتاده. وقال لبيد:
فلقد بليت وكل صاحب جده لبلى يعود وذاكم التتبيب
والتباب الهلال والخسران؛ وفيه إضمار؛ أي ما زادتهم عبادة الأصنام، فحذف المضاف؛ أي كانت عبادتهم إياها قد خسرتهم ثواب الآخرة.

الآيتان: 102 - 103 ( وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد، إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود )

قوله تعالى: « وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى » أي كما أخذ هذه القرى التي كانت لنوح وعاد وثمود يأخذ جميع القرى الظالمة. وقرأ عاصم الجحدري وطلحة بن مصرف « وكذلك أخذ ربك إذ أخذ القرى » وعن الجحدري أيضا « وكذلك أخذ ربك » كالجماعة « إذ أخذ القرى » . قال المهدوي من قرأ: « وكذلك أخذ ربك إذ أخذ » فهو إخبار عما جاءت به العادة في إهلاك من تقدم من الأمم؛ والمعنى: وكذلك أخذ ربك من أخذه من الأمم المهلكة إذ أخذهم. وقراءة الجماعة على أنه مصدر؛ والمعنى: كذلك أخذ ربك من أراد إهلاكه متى أخذه؛ فإذ لما مضى؛ أي حين أخذ القرى؛ وإذا للمستقبل « وهي ظالمة » أي وأهلها ظالمون؛ فحذف المضاف مثل: « واسأل القرية » [ يوسف: 82 ] . « إن أخذه أليم شديد » أي عقوبته لأهل الشرك موجعة غليظة. وفي صحيح مسلم والترمذي من حديث أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله تعالى يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ) ثم قرأ « وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى » الآية. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب.

قوله تعالى: « إن في ذلك لآية » أي لعبرة وموعظة. « ذلك يوم » ابتداء وخبر. « مجموع » من نعته.

قوله تعالى: « له الناس » اسم ما لم يسم فاعله؛ ولهذا لم يقل مجموعون، فإن قدرت ارتفاع « الناس » بالابتداء، والخبر « مجموع له » فإنما لم يقل: مجموعون على هذا التقدير؛ لأن « له » يقوم مقام الفاعل. والجمع الحشر، أي يحشرون لذلك اليوم. « وذلك يوم مشهود » أي يشهده البر والفاجر؛ ويشهده أهل السماء. وقد ذكرنا هذين الاسمين مع غيرهما من أسماء القيامة في كتاب « التذكرة » وبيناهما والحمد الله.

الآية: 104 - 105 ( وما نؤخره إلا لأجل معدود، يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد )

قوله تعالى: « وما نؤخره » أي ما نؤخر ذلك اليوم. « إلا لأجل معدود » أي لأجل سبق به قضاؤنا، وهو معدود عندنا. « يوم يأتي » وقرئ « يوم يأت » لأن الياء تحذف إذا كان قبلها كسرة؛ تقول: لا أدر؛ ذكره القشيري. قال النحاس: قرأه أهل المدينة وأبو عمرو والكسائي بإثبات الياء في الإدراج؛ وحذفها في الوقف، وروي أن أبيا وابن مسعود قرآ « يوم يأتي » بالياء في الوقف والوصل. وقرأ الأعمش وحمزة « يوم يأت » بغير باء في الوقف والوصل، قال أبو جعفر النحاس: الوجه في هذا ألا يوقف عليه، وأن يوصل بالياء، لأن جماعة من النحويين قالوا: لا تحذف الياء، ولا يجزم الشيء بغير جازم؛ فأما الوقف بغير ياء ففيه قول للكسائي؛ قال: لأن الفعل السالم يوقف عليه كالمجزوم، فحذف الياء، كما تحذف الضمة. وأما قراءة حمزة فقد احتج أبو عبيد لحذف الياء في الوصل والوقف بحجتين إحداهما: أنه زعم أنه رآه في الإمام الذي يقال له إنه مصحف عثمان رضي الله عنه بغير ياء. والحجة الأخرى: أنه حكى أنها لغة هذيل؛ تقول: ما أدر؛ قال النحاس: أما حجته بمصحف عثمان رضي الله عنه فشيء يرده عليه أكثر العلماء؛ قال مالك بن أنس رحمه الله: سألت عن مصحف عثمان رضي الله عنه فقيل لي ذهب؛ وأما حجته بقولهم: « ما أدر » فلا حجة فيه؛ لأن هذا الحذف قد حكاه النحويون القدماء، وذكروا علته، وأنه لا يقاس عليه. وأنشد الفراء في حذف الياء.
كفاك كف ما تليق دوهما جودا وأخرى تعط بالسيف الدما
أي تعطي. وقد حكى سيبويه والخليل أن العرب تقول: لا أدر، فتحذف الياء وتجتزئ بالكسرة، إلا أنهم يزعمون أن ذلك لكثرة الاستعمال. قال الزجاج: والأجود في النحو إثبات الياء؛ قال: والذي أراه اتباع المصحف وإجماع القراء؛ لأن القراءة سنة؛ وقد جاء مثله في كلام العرب. « لا تكلم نفس إلا بإذنه » الأصل تتكلم؛ حذفت إحدى التاءين تخفيفا. وفيه إضمار؛ أي لا تتكلم فيه نفس إلا بالمأذون فيه من حسن الكلام؛ لأنهم ملجوؤون إلى ترك القبيح. وقيل: المعنى لا تكلم بحجة ولا شفاعة إلا بإذنه. وقيل: إن لهم في الموقف وقتا يمنعون فيه من الكلام إلا بإذنه. وهذه الآية أكثر ما يسأل عنها أهل الإلحاد في الدين. فيقول لم قال: « لا تكلم نفس إلا بإذنه » و « هذا يوم لا ينطقون. ولا يؤذن لهم فيعتذرون » [ المرسلات: 36 ] . وقال في موضع من ذكر القيامة: « وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون » [ الصافات: 27 ] . وقال: « يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها » [ النحل: 111 ] . وقال: « وقفوهم إنهم مسؤولون » [ الصافات: 24 ] . وقال: « فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان » [ الرحمن: 39 ] . والجواب ما ذكرناه، وأنهم لا ينطقون بحجة تجب لهم وإنما يتكلمون بالإقرار بذنوبهم، ولوم بعضهم بعضا، وطرح بعضهم الذنوب على بعض؛ فأما التكلم والنطق بحجة لهم فلا؛ وهذا كما تقول للذي يخاطبك كثيرا، وخطابه فارغ عن الحجة: ما تكلمت بشيء، وما نطقت بشيء، فسمي من يتكلم بلا حجة فيه له غير متكلم. وقال: قوم: ذلك اليوم طويل، وله مواطن ومواقف في بعضها يمنعون من الكلام، وفي بعضها يطلق لهم الكلام؛ فهذا يدل على أنه لا تتكلم نفس إلا بإذنه. « فمنهم شقي وسعيد » أي من الأنفس، أو من الناس؛ وقد ذكرهم قوله: « يوم مجموع له الناس » . والشقي الذي كتبت عليه الشقاوة. والسعيد الذي كتبت عليه السعادة؛ قال لبيد:
فمنهم سعيد آخذ بنصيبه ومنهم شقي بالمعيشة قانع
وروى الترمذي عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب قال لما نزلت هذه الآية « فمنهم شقي وسعيد » سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا نبي الله فعلام نعمل؟ على شيء قد فرغ منه، أو على شيء لم يفرغ منه؟ فقال: ( بل على شيء قد فرغ منه وجرت به الأقلام يا عمر ولكن كل ميسر لما خلق له ) . قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث عبدالله بن عمر؛ وقد تقدم في « الأعراف » .


 

رد مع اقتباس
قديم 05-12-2017, 12:31 AM   #14


الصورة الرمزية دفء وحنان
دفء وحنان غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 19
 تاريخ التسجيل :  Apr 2016
 العمر : 50
 أخر زيارة : 01-31-2018 (02:37 PM)
 المشاركات : 8,373 [ + ]
 التقييم :  10
 الدولهـ
Jordan
 الجنس ~
Female
لوني المفضل : Cadetblue
اخر مواضيعي
افتراضي



الآيات: 106 - 108 ( فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق، خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد، وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ )

قوله تعالى: « فأما الذين شقوا » ابتداء. « ففي النار » في موضع الخبر، وكذا « لهم فيها زفير وشهيق » قال أبو العالية: الزفير من الصدر. والشهيق من الحلق؛ وعنه أيضا ضد ذلك. وقال الزجاج: الزفير من شدة الأنين، والشهيق من الأنين المرتفع جدا؛ قال: وزعم أهل اللغة من الكوفيين والبصريين أن الزفير بمنزلة ابتداء صوت الحمير في النهيق، والشهيق بمنزلة آخر صوت الحمار في الشهيق. وقال ابن عباس رضي الله عنه عكسه؛ قال: الزفير الصوت الشديد، والشهيق الصوت الضعيف. وقال الضحاك ومقاتل: الزفير مثل أول نهيق الحمار، والشهيق مثل آخره حين فرغ من صوته؛ قال الشاعر:
حشرج في الجوف سحيلا أو شهيق حتى يقال ناهق وما نهق
وقيل: الزفير إخراج النفس، وهو أن يمتلئ الجوف غما فيخرج بالنفس، والشهيق رد النفس وقيل: الزفير ترديد النفس من شدة الحزن؛ مأخوذ من الزفر وهو الحمل على الظهر لشدته؛ والشهيق النفس الطويل الممتد؛ مأخوذ من قولهم: جبل شاهق؛ أي طويل. والزفير والشهيق من أصوات المحزونين.

قوله تعالى: « خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض » « ما دامت » في موضع نصب على الظرف؛ أي دوام السماوات والأرض، والتقدير: وقت ذلك. واختلف في تأويل هذا؛ فقالت. طائفة منهم الضحاك: المعنى ما دامت سماوات الجنة والنار وأرضهما والسماء كل ما علاك فأظلك، والأرض ما استقر عليه قدمك؛ وفي التنزيل: « وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء » [ الزمر: 74 ] . وقيل: أراد به السماء والأرض المعهودتين في الدنيا وأجرى ذلك على عادة العرب في الإخبار. عن دوام الشيء وتأبيده؛ كقولهم: لا آتيك ما جن ليل، أو سال سيل، وما اختلف الليل والنهار، وما ناح الحمام، وما دامت السماوات والأرض، ونحو هذا مما يريدون به. طولا من غير نهاية؛ فأفهمهم الله تخليد الكفرة بذلك. وإن كان قد أخبر بزوال السماوات. والأرض. وعن ابن عباس أن جميع الأشياء المخلوقة أصلها من نور العرش، وأن السماوات والأرض في الآخرة تردان إلى النور الذي أخذتا منه؛ فهما دائمتان أبدا في نور العرش.

قوله تعالى: « إلا ما شاء ربك » في موضع نصب؛ لأنه استثناء ليس من الأول؛ وقد اختلف فيه على أقوال عشرة: الأولى: أنه استثناء من قوله: « ففي النار » كأنه قال: إلا ما شاء ربك من تأخير قوم عن ذلك؛ وهذا قول رواه أبو نضرة عن أبي سعيد الخدري وجابر رضي الله عنهما. وإنما لم يقل من شاء؛ لأن المراد العدد لا الأشخاص؛ كقوله: « ما طاب لكم » [ النساء: 3 ] . وعن أبي نضرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إلا من شاء ألا يدخلهم وإن شقوا بالمعصية ) . الثاني: أن الاستثناء إنما هو للعصاة من المؤمنين في إخراجهم بعد مدة من النار؛ وعلى هذا يكون قوله: « فأما الذين شقوا » عاما في الكفرة والعصاة، ويكون الاستثناء من « خالدين » ؛ قاله قتادة والضحاك وأبو سنان وغيرهم. وفي الصحيح من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يدخل ناس جهنم حتى إذا صاروا كالحممة أخرجوا منها ودخلوا الجنة فيقال هؤلاء الجهنميون ) وقد تقدم هذا المعنى في « النساء » وغيرها. الثالث: أن الاستثناء من الزفير والشهيق؛ أي لهم فيها زفير وشهيق إلا ما شاء ربك من أنواع العذاب الذي لم يذكره، وكذلك لأهل الجنة من النعيم ما ذكر، وما لم يذكر. حكاه ابن الأنباري. الرابع: قال ابن مسعود: « خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض » لا يموتون فيها، ولا يخرجون منها « إلا ما شاء ربك » وهو أن يأمر النار فتأكلهم وتفنيهم، ثم يجدد خلقهم.
قلت: وهذا القول خاص بالكافر والاستثناء له في الأكل، وتجديد الخلق. الخامس: أن « إلا » بمعنى « سوى » كما تقول في الكلام: ما معي رجل إلا زيد، ولي عليك ألفا درهم إلا الألف التي لي عليك. قيل: فالمعنى ما دامت السماوات والأرض سوى ما شاء ربك من الخلود. السادس: أنه استثناء من الإخراج، وهو لا يريد أن يخرجهم منها. كما تقول في الكلام: أردت أن أفعل ذلك إلا أن أشاء غيره، وأنت مقيم على ذلك الفعل؛ فالمعنى أنه لو شاء أن يخرجهم لأخرجهم، ولكنه قد أعلمهم أنهم خالدون فيها، ذكر هذين القولين الزجاج عن أهل اللغة، قال: ولأهل المعاني قولان آخران، فأحد القولين: « خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك » من مقدار موقفهم على رأس قبورهم، وللمحاسبة، وقدر مكثهم في الدنيا، والبرزخ، والوقوف للحساب. والقول الآخر: وقوع الاستثناء في الزيادة على النعيم والعذاب، وتقديره: « خالدين فيها ما دامت السماوات ولأرض إلا ما شاء ربك » من زيادة النعيم لأهل النعيم، وزيادة العذاب لأهل الجحيم.
قلت: فالاستثناء في الزيادة من الخلود على مدة كون السماء والأرض المعهودتين في الدنيا واختاره الترمذي الحكيم أبو عبدالله محمد بن علي، أي خالدين فيها مقدار دوام السماوات والأرض، وذلك مدة العالم، وللسماء والأرض وقت يتغيران فيه، وهو قوله سبحانه: « يوم تبدل الأرض غير الأرض » [ إبراهيم: 48 ] فخلق الله سبحانه الآدميين وعاملهم، واشترى منهم أنفسهم وأموالهم بالجنة، وعلى ذلك بايعهم يوم الميثاق، فمن وفي بذلك العهد فله الجنة، ومن ذهب برقبته يخلد في النار بمقدار دوام السماوات والأرض؛ فإنما دامتا للمعاملة؛ وكذلك أهل الجنة خلود في الجنة بمقدار ذلك؛ فإذا تمت هذه المعاملة وقع الجميع في مشيئة الله؛ قال الله تعالى: « وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين. ما خلقناهما إلا بالحق » [ الدخان: 39 ] فيخلد أهل الدارين بمقدار دوامهما، وهو حق الربوبية بذلك المقدار من العظمة؛ ثم أوجب لهم الأبد في كلتا الدارين لحق الأحدية؛ فمن لقيه موحدا لأحديته بقي في داوه أبدا، ومن لقيه مشركا بأحديته إلها بقي في السجن أبدا؛ فأعلم الله العباد مقدار الخلود، ثم قال: « إلا ما شاء ربك » من زيادة المدة التي تعجز القلوب عن إدراكها لأنه لا غاية لها؛ فبالاعتقاد دام خلودهم في الدارين أبدا. وقد قيل: إن « إلا » بمعنى الواو، قاله الفراء وبعض أهل النظر وهو: الثامن: والمعنى: وما شاء ربك من الزيادة في الخلود على مدة دوام السماوات والأرض في الدنيا. وقد قيل في قوله تعالى: « إلا الذين ظلموا » [ البقرة: 150 ] أي ولا الذين ظلموا. وقال الشاعر:
وكل أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدان
أي والفرقدان. وقال أبو محمد مكي: وهذا قول بعيد عند البصريين أن تكون « إلا » بمعنى الواو، وقد مضى في « البقرة » بيانه. وقيل: معناه كما شاء ربك؛ كقوله تعالى: « ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف » [ النساء: 22 ] أي كما قد سلف، وهو: التاسع، العاشر: وهو أن قوله تعالى: « إلا ما شاء رب » إنما ذلك على طريق الاستثناء الذي ندب الشرع إلى استعماله في كل كلام؛ فهو على حد قوله تعالى: « لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين » [ الفتح: 27 ] فهو استثناء في واجب، وهذا الاستثناء في حكم الشرط كذلك؛ كأنه قال: إن شاء ربك؛ فليس يوصف بمتصل ولا منقطع؛ ويؤيده ويقويه قوله تعالى: « عطاء غير مجذوذ » ونحوه عن أبي عبيد قال: تقدمت عزيمة المشيئة من الله تعالى في خلود الفريقين في الدارين؛ فوقع لفظ الاستثناء، والعزيمة قد تقدمت في الخلود، قال: وهذا مثل قوله تعالى: « لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين » [ الفتح: 27 ] وقد علم أنهم يدخلونه حتما، فلم يوجب الاستثناء في الموضعين خيارا؛ إذ المشيئة قد تقدمة، بالعزيمة في الخلود في الدارين والدخول في المسجد الحرام؛ ونحوه عن الفراء. وقول: حادي عشر: وهو أن الأشقياء هم السعداء، والسعداء هم الأشقياء لا غيرهم، والاستثناء في الموضعين راجع إليهم؛ وبيانه أن « ما » بمعنى « من » استثنى الله عز وجل من الداخلين في النار المخلدين فيها الذين يخرجون منها من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بما معهم من الإيمان، واستثنى من الداخلين في الجنة المخلدين فيها الذين يدخلون النار بذنوبهم قبل دخول الجنة ثم يخرجون منها إلى الجنة. وهم الذين وقع عليهم الاستثناء الثاني؛ كأنه قال تعالى: « فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك » ألا يخلده فيها، وهم الخارجون منها من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بإيمانهم وبشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم؛ فهم بدخولهم النار يسمون الأشقياء، وبدخلهم الجنة يسمون السعداء؛ كما روى الضحاك عن ابن عباس إذ قال: الذين سعدوا شقوا بدخول النار ثم سعدوا بالخروج منها ودخولهم الجنة.
وقرأ الأعمش وحفص وحمزة والكسائي « وأما الذين سعدوا » بضم السين. وقال أبو عمرو: والدليل على أنه سعدوا أن الأول شقوا ولم يقل أشقوا. قال النحاس: ورأيت علي بن سليمان يتعجب من قراءة الكسائي « سعدوا » مع علمه بالعربية! إذ كان هذا لحنا لا يجوز؛ لأنه إنما يقال: سعد فلان وأسعده الله، وأسعد مثل أمرض؛ وإنما احتج الكسائي بقولهم: مسعود ولا حجة له فيه؛ لأنه يقال: مكان مسعود فيه، ثم يحذف فيه ويسمى به. وقال المهدوي: ومن ضم السين من « سعدوا » فهو محمول على قولهم: مسعود وهو شاذ قليل؛ لأنه لا يقال: سعده الله؛ إنما يقال: أسعده الله. وقال الثعلبي: « سعدوا » بضم السين أي رزقوا السعادة؛ يقال: سعد وأسعد بمعنى واحد وقرأ الباقون « سعدوا » بفتح السين قياسا على « شقوا » واختاره أبو عبيد وأبو حاتم. وقال الجوهري: والسعادة خلاف الشقاوة؛ تقول: منه سعد الرجل بالكسر فهو سعيد، مثل سلم فهو سليم، وسعد فهو مسعود؛ ولا يقال فيه: مسعد، كأنهم استغنوا عنه بمسعود. وقال القشيري أبو نصر عبدالرحيم: وقد ورد سعده الله فهو مسعود، وأسعده الله فهو مسعد؛ فهذا يقوي قول الكوفيين وقال سيبويه: لا يقال سعد فلان كما لا يقال شقي فلان؛ لأنه مما لا يتعدى. « عطاء غير مجذوذ » أي غير مقطوع؛ من جذه يجذه أي قطعه؛ قال النابغة:
تجذ السلوقي المضاعف نسجه وتوقد بالصفاح نار الحباحب

الآية: 109 ( فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص )

قوله تعالى: « فلا تك » جزم بالنهي؛ وحذفت النون لكثرة الاستعمال. « في مرية » أي في شك. « مما يعبد هؤلاء » من الآلهة أنها باطل. وأحسن من هذا: أي قل يا محمد لكل من شك « لا تك في مرية مما يعبد هؤلاء » أن الله عز وجل ما أمرهم به، وإنما يعبدونها كما كان آباؤهم يفعلون تقليدا لهم. « وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص » فيه ثلاثة أقوال: أحدها: نصيبهم من الرزق؛ قاله أبو العالية. الثاني: نصيبهم من العذاب؛ قال ابن زيد. الثالث: ما وعدوا به من خير أو شر، قاله ابن عباس رضي الله عنهما.

الآية: 110 ( ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب )

قوله تعالى: « ولولا كلمة سبقت من ربك » « ولولا كلمة سبقت من ربك » الكلمة: أن الله عز وجل حكم أن يؤخرهم إلى يوم القيامة لما علم في ذلك من الصلاح؛ ولولا ذلك لقضى بينهم أجلهم بأن يثيب المؤمن ويعاقب الكافر. قيل: المراد بين المختلفين في كتاب موسى؛ فإنهم كانوا بين مصدق به ومكذب. وقيل: بين هؤلاء المختلفين فيك يا محمد بتعجيل العقاب، ولكن سبق الحكم بتأخير العقاب عن هذه الأمة إلى يوم القيامة. « وإنهم لفي شك منه مريب » إن حملت على قوم موسى؛ أي لفي شك من كتاب موسى فهم في شك من القرآن.

الآية: 111 ( وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير )

قوله تعالى: « وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم » أي إن كلا من الأمم التي عددناهم يرون جزاء أعمالهم؛ فكذلك قومك يا محمد. واختلف القراء في قراءة « وإن كلا لما » فقرأ أهل الحرمين - نافع وابن كثير وأبو بكر معهم - « وإنْ كلا لَمَا » بالتخفيف، على أنها « إن » المخففة من الثقيلة معملة؛ وقد ذكر هذا الخليل وسيبويه، قال سيبويه: حدثنا من أثق به أنه سمع العرب تقول: إن زيدا لمنطلق؛ وأنشد قول الشاعر:
كأنْ ظبية تعطو إلى وارق السلم
أراد كأنها ظبية فخفف ونصب ما بعدها؛ والبصريون يجوزون تخفيف « إن » المشددة مع إعمالها؛ وأنكر ذلك الكسائي وقال: ما أدري على أي شيء قرئ « وإن كلا » ! وزعم الفراء أنه نصب « كلا » في قراءة من خفف بقوله: « ليوفينهم » أي وإن ليوفينهم كلا؛ وأنكر ذلك جميع النحويين، وقالوا: هذا من كبير الغلط؛ لا يجوز عند أحد زيدا لأضربنه. وشدد الباقون « إن » ونصبوا بها « كلا » على أصلها. وقرأ عاصم وحمزة وابن عامر « لما » بالتشديد. وخففها الباقون على معنى: وإن كلا ليوفينهم، جعلوا « ما » صلة. وقيل: دخلت لتفصل بين اللامين اللتين تتلقيان القسم، وكلاهما مفتوح ففصل بينهما بـ « ما » . وقال الزجاج: لام « لما » لام « إن » و « ما » زائدة مؤكدة؛ تقول: إن زيدا لمنطلق، فإن تقتضي أن يدخل على خبرها أو اسمها لام كقولك: إن الله لغفور رحيم، وقوله: « إن في ذلك لذكري » . واللام في « ليوفينهم » هي التي يتلقى بها القسم، وتدخل على الفعل ويلزمها النون المشددة أو المخففة، ولما اجتمعت اللامان فصل بينهما بـ « ما » و « ما » زائدة مؤكدة، وقال الفراء: « ما » بمعنى « من » كقوله: « وإن منكم لمن ليبطئن » [ النساء: 72 ] أي وإن كلا لمن ليوفينهم، واللام في « ليوفينهم » للقسم؛ وهذا يرجع معناه إلى قول الزجاج، غير أن « ما » عند الزجاج زائدة وعند الفراء اسم بمعنى « من » . وقيل: ليست بزائد، بل هي اسم دخل عليها لام التأكيد، وهي خبر « إن » و « ليوفينهم » جواب القسم، التقدير: وإن كلا خلق ليوفينهم ربك أعمالهم. وقيل: « ما » بمعنى « من » كقوله: « فانكحوا ما طاب لكم من النساء » [ النساء: 3 ] أي من؛ وهذا كله هو قول الفراء بعينه. وأما من شدد « لما » وقرأ « وإن كلا لما » بالتشديد فيهما - وهو حمزة ومن وافقه - فقيل: إنه لحن؛ حكي عن محمد بن زيد أن هذا لا يجوز؛ ولا يقال: إن زيدا إلا لأضربنه، ولا لما لضربته. وقال الكسائي: الله أعلم بهذه القراءة؛ وما أعرف لها وجها. وقال هو وأبو علي الفارسي: التشديد فيهما مشكل. قال النحاس وغيره: وللنحويين في ذلك أقوال: الأول: أن أصلها « لمن ما » فقلبت النون ميما، واجتمعت ثلاث ميمات فحذفت الوسطى فصارت « لما » و « ما » على هذا القول بمعنى « من » تقديره: وإن كلا لمن الذين؛ كقولهم:
وإني لمَّا أصدر الأمر وجهه إذا هو أعيا بالسبيل مصادره
وزيّف الزجاج هذا القول، وقال: « من » اسم على حرفين فلا يجوز حذفه. الثاني: أن الأصل. لمن ما، فحذفت الميم المكسورة لاجتماع الميمات، والتقدير: وإن كلا لمن خلق ليوفينهم. وقيل: « لما » مصدر « لم » وجاءت بغير تنوين حملا للوصل على الوقف؛ فهي على هذا كقوله: « وتأكلون التراث أكلا لما » [ الفجر: 19 ] أي جامعا للمال المأكول؛ فالتقدير على هذا: وإن كلا ليوفينهم ربك أعمالهم توفية لما؛ أي جامعة لأعمالهم جمعا، فهو كقولك: قياما لأقومن. وقد قرأ الزهري « لما » بالتشديد والتنوين على هذا المعنى. الثالث: أن « لما » بمعنى « إلا » حكى أهل اللغة: سألتك بالله لما فعلت؛ بمعنى إلا فعلت؛ ومثله قوله تعالى: « إن كل نفس لما عليها حافظ » [ الطارق: 4 ] أي إلا عليها؛ فمعنى الآية: ما كل واحد منهم إلا ليوفينهم؛ قال القشيري: وزيف الزجاج هذا القول بأنه لا نفي لقوله: « وإن كلا لما » حتى تقدر « إلا » ولا يقال: ذهب الناس لما زيد. الرابع: قال أبو عثمان المازني: الأصل وإن كلا لما بتخفيف « لما » ثم ثقلت كقوله:
لقد خشيت أن أرى جدبا في عامنا ذا بعد ما أخصبا
وقال أبو إسحاق الزجاج: هذا خطأ، إنما يخفف المثقل؛ ولا يثقل المخفف. الخامس: قال أبو عبيد القاسم بن سلام: يجوز أن يكون التشديد من قولهم: لممت الشيء ألمه لما إذا جمعته؛ ثم بني منه فعلى، كما قرئ « ثم أرسلنا رسلنا تترى » [ المؤمنون: 44 ] بغير تنوين وبتنوين. فالألف على هذا للتأنيث، وتمال على هذا القول لأصحاب الإمالة؛ قال أبو إسحاق: القول الذي لا يجوز غيره عندي أن تكون مخففة من الثقيلة، وتكون بمعنى « ما » مثل: « إن كل نفس لما عليها حافظ » [ الطارق: 4 ] وكذا أيضا تشدد على أصلها، وتكون بمعنى « ما » و « لما » بمعنى « إلا » حكى ذلك الخليل وسيبويه وجميع البصريين؛ وأن « لما » يستعمل بمعنى « إلا » قلت: هذا القول الذي ارتضاه الزجاج حكاه عنه النحاس وغيره؛ وقد تقدم مثله وتضعيف الزجاج له، إلا أن ذلك القول صوابه « إن » فيه نافية، وهنا مخففة من الثقيلة فافترقا وبقيت قراءتان؛ قال أبو حاتم: وفي حرف أبي: « وإن كلا لما لي وفينهم » [ هود: 111 ] وروي عن الأعمش « وإن كل لما » بتخفيف « إن » ورفع « كل » وبتشديد « لما » . قال النحاس: وهذه القراءات المخالفة للسواد تكون فيها « إن » بمعنى « ما » لا غير، وتكون على التفسير؛ لأنه لا يجوز أن يقرأ بما خالف السواد إلا على هذه الجهة. « إنه بما يعملون خبير » تهديد ووعيد.

الآية: 112 ( فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير )

قوله تعالى: « فاستقم كما أمرت » الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولغيره. وقيل: له والمراد أمته؛ قاله السدى. وقيل: « استقم » اطلب الإقامة على الدين من الله واسأله ذلك. فتكون السين سين السؤال، كما تقول: استغفر الله أطلب الغفران منه. والاستقامة الاستمرار في جهة واحدة من غير أخذ في جهة اليمين والشمال؛ فاستقم على امتثال أمر الله. وفي صحيح مسلم عن سفيان بن عبدالله الثقفي قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك! قال: ( قل آمنت بالله ثم استقم ) . وروى الدارمي أبو محمد في مسنده عن عثمان بن حاضر الأزدي قال: دخلت على ابن عباس فقلت أوصني! فقال: نعم! عليك بتقوى الله والاستقامة، اتبع ولا تبتدع. « ومن تاب معك » أي استقم أنت وهم؛ يريد أصحابه الذين تابوا من الشرك ومن بعده ممن اتبعه من أمته. قال ابن عباس ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية هي أشد ولا أشق من هذه الآية عليه، ولذلك قال لأصحابه حين قالوا له: لقد أسرع إليك الشيب! فقال: ( شيبتني هود وأخواتها ) . وقد تقدم في أول السورة. وروي عن أبي عبدالرحمن السلمي قال سمعت أبا علي السري يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقلت: يا رسول الله! روي عنك أنك قلت: ( شيبتني هود ) . فقال: ( نعم ) فقلت له: ما الذي شيبك منها؟ قصص الأنبياء وهلاك الأمم! فقال: ( لا ولكن قوله: فاستقم كما أمرت ) . « ولا تطغوا » نهى عن الطغيان والطغيان مجاوزة الحد؛ ومنه « إنا لما طغى الماء » . وقيل: أي لا تتجبروا على أحد.

الآية: 113 ( ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون )

قوله تعالى: « ولا تركنوا » الركون حقيقة الاستناد والاعتماد والسكون إلى، الشيء والرضا به، قال قتادة: معناه لا تودوهم ولا تطيعوهم. ابن جريج: لا تميلوا إليهم. أبو العالية: لا ترضوا أعمالهم؛ وكله متقارب. وقال ابن زيد: الركون هنا الإدهان وذلك ألا ينكر عليهم كفرهم.

قرأ الجمهور: « تركنوا » بفتح الكاف؛ قال أبو عمرو: هي لغة أهل الحجاز. وقرأ طلحة بن مصرف وقتادة وغيرهما: « تركنوا » بضم الكاف؛ قال الفراء: وهي لغة تميم وقيس. وجوز قوم ركن يركن مثل منع يمنع. « » إلى الذين ظلموا « قيل: أهل الشرك. وقيل: عامة فيهم وفي العصاة، على نحو قوله تعالى: » وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا « [ الأنعام: 68 ] الآية. وقد تقدم. وهذا هو الصحيح في معنى الآية؛ وأنها دالة على هجران أهل الكفر والمعاصي من أهل البدع وغيرهم؛ فإن صحبتهم كفر أو معصية؛ إذ الصحبة لا تكون إلا عن مودة؛ وقد قال حكيم: »
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارِن يقتدي
فإن كانت الصحبة عن ضرورة وتقية فقد مضى القول فيها في « آل عمران » و « المائدة » . وصحبة الظالم على التقية مستثناة من النهي بحال الاضطرار. والله أعلم.

قوله تعالى: « فتمسكم النار » أي تحرقكم. بمخالطتهم ومصاحبتهم وممالأتهم على إعراضهم وموافقتهم في أمورهم.

الآية: 114 ( وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين )

قوله تعالى: « وأقم الصلاة طرفي النهار » لم يختلف أحد من أهل التأويل في أن الصلاة في هذه الآية يراد بها الصلوات المفروضة؛ وخصها بالذكر لأنها ثانية الإيمان، وإليها يفزع في النوائب؛ وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.
وقال شيوخ الصوفية: إن المراد بهذه الآية استغراق الأوقات بالعبادة فرضا ونفلا؛ قال ابن العربي: وهذا ضعيف، فإن الأمر لم يتناول ذلك إلا واجبا لا نفلا، فإن الأوراد معلومة، وأوقات النوافل المرغب فيها محصورة، وما سواها من الأوقات يسترسل عليها الندب على البدل لا على العموم، وليس ذلك في قوة بشر.

قوله تعالى: « طرفي النهار » قال مجاهد: الطرف الأول، صلاة الصبح، والطرف الثاني صلاة الظهر والعصر؛ واختاره ابن عطية. وقيل: الطرفان الصبح والمغرب؛ قال ابن عباس والحسن. وعن الحسن أيضا الطرف الثاني العصر وحده؛ وقال قتادة والضحاك. وقيل: الطرفان الظهر والعصر. والزلف المغرب والعشاء والصبح؛ كأن هذا القائل راعى جهر القراءة. وحكى الماوردي أن الطرف الأول صلاة الصبح باتفاق.
قلت: وهذا الاتفاق ينقضه القول الذي قبله. ورجح الطبري أن الطرفين الصبح والمغرب، وأنه ظاهر؛ قال ابن عطية: ورد عليه بأن المغرب لا تدخل فيه لأنها من صلاة الليل. قال ابن العربي: والعجب من الطبري الذي يرى أن طرفي النهار الصبح والمغرب، وهما طرفا الليل! فقلب القوس ركوة، وحاد عن البرجاس غلوة؛ قال الطبري: والدليل عليه إجماع الجميع على أن أحد الطرفين الصبح، فدل على أن الطرف الآخر المغرب، ولم يجمع معه على ذلك أحد.
قلت: هذا تحامل من ابن العربي في الرد؛ وأنه لم يجمع معه على ذلك أحد؛ وقد ذكرنا عن مجاهد أن الطرف الأول صلاة الصبح، وقد وقع الاتفاق - إلا من شذ - بأن من أكل أو جامع بعد طلوع الفجر متعمدا أن يومه ذلك يوم فطر، وعليه القضاء والكفارة، وما ذلك، إلا وما بعد طلوع الفجر من النهار؛ فدل على صحة ما قاله الطبري في الصبح، وتبقى عليه المغرب والرد عليه فيه ما تقدم. والله أعلم.

قوله تعالى: « وزلفا من الليل » أي في زلف من الليل، والزلف الساعات القريبة بعضها من بعض؛ ومنه سميت المزدلفة؛ لأنها منزل بعد عرفة بقرب مكة. وقرأ ابن القعقاع وابن أبي إسحاق وغيرهما « وزلفا » بضم اللام جمع زليف؛ لأنه قد نطق بزليف، ويجوز أن يكون واحده « زلفة » لغة؛ كبسرة وبسر، في لغة من ضم السين. وقرأ ابن محيصن « وزلفا » من الليل بإسكان اللام؛ والواحدة زلفة تجمع جمع الأجناس التي هي أشخاص كدرة ودر وبرة وبر. وقرأ مجاهد وابن محيصن أيضا « زلفى » مثل قربى. وقرأ الباقون « وزلفا » بفتح اللام كغرفة وغرف. قال ابن الأعرابي: الزلف الساعات، واحدها زلفة. وقال قوم: الزلفة أول ساعة من الليل بعد مغيب الشمس؛ فعلى هذا يكون المراد بزلف الليل صلاة العتمة؛ قاله ابن عباس. وقال الحسن: المغرب والعشاء. وقيل: المغرب والعشاء والصبح؛ وقد تقدم. وقال الأخفش: يعني صلاة الليل ولم يعين.


 

رد مع اقتباس
قديم 05-12-2017, 12:31 AM   #15


الصورة الرمزية دفء وحنان
دفء وحنان غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 19
 تاريخ التسجيل :  Apr 2016
 العمر : 50
 أخر زيارة : 01-31-2018 (02:37 PM)
 المشاركات : 8,373 [ + ]
 التقييم :  10
 الدولهـ
Jordan
 الجنس ~
Female
لوني المفضل : Cadetblue
اخر مواضيعي
افتراضي



قوله تعالى: « إن الحسنات يذهبن السيئات » ذهب جمهور المتأولين من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين إلى أن الحسنات ههنا هي الصلوات الخمس، وقال مجاهد: الحسنات قول الرجل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، قال ابن عطية: وهذا على جهة المثال في الحسنات، والذي يظهر أن اللفظ عام في الحسنات خاص في السيئات؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتنبت الكبائر ) .
قلت: سبب النزول يعضد قول الجمهور؛ نزلت في رجل من الأنصار، قيل: هو أبو اليسر بن عمرو. وقيل: اسمه عباد؛ خلا بامرأة فقبلها وتلذذ بها فيما دون الفرج. روى الترمذي عن عبدالله قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:: إني عالجت امرأة في أقصى المدينة وإني أصبت منها ما دون أن أمسها وأنا هذا فاقض في ما شئت. فقال له عمر: لقد سترك الله! لو سترت على نفسك؛ فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فانطلق الرجل فأتبعه رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا فدعاه، فتلا عليه: « أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين » إلى آخر الآية؛ فقال رجل من القوم: هذا له خاصة؟ قال: ( لا بل للناس كافة ) . قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وخرج أيضا عن ابن مسعود أن رجلا أصاب من امرأة قبلة حرام فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن كفارتها فنزلت: « أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات » فقال الرجل: ألي هذه يا رسول الله؟ فقال: ( لك ولمن عمل بها من أمتي ) . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وروي عن أبي اليسر. قال: أتتني امرأة تبتاع تمرا فقلت: إن في البيت تمرا أطيب من هذا، فدخلت معي في البيت فأهويت إليها فقبلتها، فأتيت أبا بكر فذكرت ذلك له فقال: استر على نفسك وتب ولا تخبر أحدا فلم أصبر، فأتيت عمر فذكرت ذلك له فقال: استر على نفسك وتب ولا تخبر أحدا فلم أصبر، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال: ( أخلفت غازيا في سبيل الله في أهله بمثل هذا ) ؟ حتى تمنى أنه لم يكن أسلم إلا تلك الساعة، حتى ظن أنه من أهل النار. قال: وأطرق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أوحى الله إليه « أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين » . قال أبو اليسر: فأتيته فقرأها علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أصحابه: يا رسول الله! ألهذا خاصة أم للناس عامة؟ فقال: ( بل للناس عامة ) . قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، وقيس بن الربيع ضعفه وكيع وغيره؛ وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم أعرض عنه، وأقيمت صلاة العصر فلما فرغ منها نزل جبريل عليه السلام عليه بالآية فدعاه فقال له: ( أشهدت معنا الصلاة ) ؟ قال نعم؛ قال: ( اذهب فإنها كفارة لما فعلت ) . وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تلا عليه هذه الآية قال له: ( قم فصل أربع ركعات ) . والله أعلم. وخرج الترمذي الحكيم في « نوادر الأصول » من حديث ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لم أر شيئا أحسن طلبا ولا أسرع إدراكا من حسنة حديثة لذنب قديم، « إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين » .

دلت الآية مع هذه الأحاديث على أن القبلة الحرام واللمس الحرام لا يجب، فيهما الحد، وقد يستدل به على أن لا حد ولا أدب على الرجل والمرأة وإن وجدا في ثوب واحد، وهو اختيار ابن المنذر؛ لأنه لما ذكر اختلاف العلماء في هذه المسألة ذكر هذا الحديث مشيرا إلى أنه لا يجب عليهما شيء، وسيأتي ما للعلماء في هذا في « النور » إن شاء الله تعالى.

ذكر الله سبحانه في كتابه الصلاة بركوعها وسجودها وقيامها وقراءتها وأسمائها فقال: « أقم الصلاة » الآية. وقال: « أقم الصلاة لدلوك الشمس » [ الإسراء: 78 ] الآية. وقال: « فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحوا. وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون » [ الروم:17 - 18 ] . وقال: « وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها » [ طه: 130 ] . وقال: « اركعوا واسجدوا » [ الحج: 77 ] . وقال: « وقوموا لله قانتين » [ البقرة: 238 ] . وقال: « وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا » [ الأعراف: 204 ] على ما تقدم. وقال: « ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها » [ الإسراء: 110 ] أي بقراءتك؛ وهذا كله مجمل أجمله في كتابه، وأحال على نبيه في بيانه؛ فقال جل ذكره: « وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم » [ النحل: 44 ] فبين صلى الله عليه وسلم مواقيت الصلاة، وعدد الركعات والسجدات، وصفة جميع الصلوات فرضها وسننها، وما لا تصح الصلاة إلا به من الفرائض وما يستحب فيها من السنن والفضائل؛ فقال في صحيح البخاري: ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) . ونقل ذلك عنه الكافة عن الكافة، على ما هو معلوم، ولم يمت النبي صلى الله عليه وسلم حتى بين جميع ما بالناس الحاجة إليه؛ فكمل الدين، وأوضح السبيل؛ قال الله تعالى: « اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا » [ المائدة: 3 ] .

قوله تعالى: « ذلك ذكرى للذاكرين » أي القرآن موعظة وتوبة لمن اتعظ وتذكر؛ وخص الذاكرين بالذكر لأنهم المنتفعون بالذكرى. والذكرى مصدر جاء بألف التأنيث.

الآيتان: 115 - 116 ( واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين، فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين )

قوله تعالى: « واصبر » أي على الصلاة؛ كقوله: « وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها » [ طه: 132 ] . وقيل: المعنى واصبر يا محمد على ما تلقى من الأذى. « فإن الله لا يضيع أجر المحسنين » يعني المصلين.

قوله تعالى: « فلولا كان » أي فهلا كان. « من القرون من قبلكم » أي من الأمم التي قبلكم. « أولو بقية » أي أصحاب طاعة ودين وعقل وبصر. « ينهون » قومهم. « عن الفساد في الأرض » لما أعطاهم الله تعالى من العقول وأراهم من الآيات؛ وهذا توبيخ للكفار. وقيل: ولولا ههنا للنفي؛ أي ما كان من قبلكم؛ كقوله: « فلولا كانت قرية آمنت » [ يونس: 98 ] أي ما كانت. « إلا قليلا » استثناء منقطع؛ أي لكن قليلا. « ممن أنجينا منهم » نهوا عن الفساد في الأرض. قيل: هم قوم يونس؛ لقوله: « إلا قوم يونس » . وقيل: هم أتباع الأنبياء وأهل الحق. « واتبع الذين ظلموا » أي أشركوا وعصوا. « ما أترفوا فيه » أي من الاشتغال بالمال واللذات، وإيثار ذلك على الآخرة.
الآية [ 117 ] في الصفحة التالية ...

الآيات: 117 - 119 ( وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون، ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين، إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين )

قوله تعالى: « وما كان ربك ليهلك القرى » أي أهل القرى. « بظلم » أي بشرك وكفر. « وأهلها مصلحون » أي فيما بينهم في تعاطي الحقوق؛ أي لم يكن ليهلكهم بالكفر وحده حتى ينضاف إليه الفساد، كما أهلك قوم شعيب ببخس المكيال والميزان، وقوم لوط باللواط؛ ودل هذا على أن المعاصي أقرب إلى عذاب الاستئصال في الدنيا من الشرك، وإن كان عذاب الشرك في الآخرة أصعب. وفي صحيح الترمذي من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده ) . وقد تقدم. وقيل: المعنى وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مسلمون، فإنه يكون ذلك ظلما لهم ونقصا من حقهم، أي ما أهلك قوما إلا بعد إعذار وإنذار. وقال الزجاج: يجوز أن يكون المعنى ما كان ربك ليهلك أحدا وهو يظلمه وإن كان على نهاية الصلاح؛ لأنه تصرف في ملكه؛ دليله قوله: « إن الله لا يظلم الناس شيئا » [ يونس: 44 ] . وقيل: المعنى وما كان الله ليهلكهم بذنوبهم وهم مصلحون؛ أي مخلصون في الإيمان. فالظلم المعاصي على هذا.

قوله تعالى: « ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة » قال سعيد بن جبير: على ملة الإسلام وحدها. وقال الضحاك: أهل دين واحد، أهل ضلالة أو أهل هدى. « ولا يزالون مختلفين » أي على أديان شتى؛ قاله مجاهد وقتادة. « إلا من رحم ربك » استثناء منقطع؛ أي لكن من رحم ربك بالإيمان والهدى فإنه لم يختلف. وقيل: مختلفين في الرزق، فهذا غني وهذا فقير. « إلا من رحم ربك » بالقناعة؛ قاله الحسن. « ولذلك خلقهم » قال الحسن ومقاتل، وعطاء ويمان: الإشارة للاختلاف، أي وللاختلاف خلقهم. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: ولرحمته خلقهم؛ وإنما قال: « ولذلك » ولم يقل ولتلك، والرحمة مؤنثة لأنه مصدر؛ وأيضا فإن تأنيث الرحمة غير حقيقي، فحملت على معنى الفضل. وقيل. الإشارة بذلك للاختلاف والرحمة، وقد يشارك بـ « ذلك » إلى شيئين متضادين؛ كقوله تعالى: « لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك » [ البقرة: 68 ] ولم يقل بين ذينك ولا تينك، وقال: « والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما » [ الفرقان: 67 ] وقال: « ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا » [ الإسراء: 110 ] وكذلك قوله: « قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا » [ يونس: 58 ] وهذا أحسن الأقوال إن شاء الله تعالى؛ لأنه يعم، أي ولما ذكر خلقهم؛ وإلى هذا أشار مالك رحمه الله فيما روى عنه أشهب؛ قال أشهب: سألت مالكا عن هذه الآية قال: خلقهم ليكون فريق في الجنة وفريق في السعير؛ أي خلق أهل الاختلاف للاختلاف، وأهل الرحمة للرحمة. وروي عن ابن عباس أيضا قال: خلقهم فريقين، فريقا يرحمه وفريقا لا يرحمه. قال المهدوي: وفي الكلام على هذا التقدير تقديم وتأخير؛ المعنى: ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك، وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين؛ ولذلك، خلقهم. وقيل: هو. متعلق بقوله « ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود » [ هود: 103 ] والمعنى: ولشهود ذلك اليوم خلقهم. وقيل: هو متعلق بقوله: « فمنهم شقي وسعيد » [ هود: 105 ] أي للسعادة والشقاوة خلقهم.

قوله تعالى: « وتمت كلمة ربك » معنى « تمت » ثبت ذلك كما أخبر وقدر في أزله؛ وتمام الكلمة امتناعها عن قبول التغيير والتبديل. « لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين » « من » لبيان الجنس؛ أي من جنس الجنة وجنس الناس. « أجمعين » تأكيد؛ وكما أخبر أنه يملأ ناره كذلك أخبر على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم أنه يملأ جنته بقوله: ( ولكل واحدة منكما ملؤها ) . خرجه البخاري من حديث أبي هريرة وقد تقدم.

الآية: 120 ( وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين )

قوله تعالى: « وكلا نقص عليك » « كلا » نصب بـ « نقص » معناه وكل الذي تحتاج إليه من أنباء الرسل نقص عليك. وقال الأخفش: « كلا » حال مقدمة، كقولك: كلا ضربت القوم. « من أنباء الرسل » أي من أخبارهم وصبرهم على أذى قومهم. « ما نثبت به فؤادك » أي على أداء الرسالة، والصبر على ما ينالك فيها من الأذى. وقيل: نزيدك به تثبيتا ويقينا. وقال ابن عباس: ما نشد به قلبك. وقال ابن جريج: نصبر به قلبك حتى لا تجزع. وقال أهل المعاني: نطيب، والمعنى متقارب. و « ما » بدل من « كلا » المعنى: نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك. « وجاءك في هذه الحق » أي في هذه السورة؛ عن ابن عباس وأبي موسى وغيرهما؛ وخص هذه السورة لأن فيها أخبار الأنبياء والجنة والنار. وقيل: خصها بالذكر تأكيدا وإن كان الحق في كل القرآن. وقال قتادة والحسن: المعنى في هذه الدنيا، يريد النبوة. « وموعظة وذكرى للمؤمنين » الموعظة ما يتعظ به من إهلاك الأمم الماضية، والقرون الخالية المكذبة؛ وهذا تشريف لهذه السورة؛ لأن غيرها من السور قد جاء فيها الحق والموعظة والذكرى ولم يقل فيها كما قال في هذه على التخصيص. « وذكرى للمؤمنين » أي يتذكرون ما نزل بمن هلك فيتوبون؛ وخص المؤمنين لأنهم المتعظون إذا سمعوا قصص الأنبياء.

الآيات: 121 - 123 ( وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون، وانتظروا إنا منتظرون، ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون )

قوله تعالى: « وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم » تهديد ووعيد. « إنا عاملون. وانتظروا إنا منتظرون » تهديد آخر، وقد تقدم معناه. « ولله غيب السماوات والأرض » أي غيبهما وشهادتهما؛ فحذف لدلالة المعنى. وقال ابن عباس: خزائن السماوات والأرض. وقال الضحاك: جميع ما غاب عن العباد فيهما. وقال الباقون: غيب السماوات والأرض نزول العذاب من السماء وطلوعه من الأرض. وقال أبو علي الفارسي: « ولله غيب السماوات والأرض » أي علم ما غاب فيهما؛ أضاف الغيب وهو مضاف إلى المفعول توسعا؛ لأنه حذف حرف الجر؛ تقول: غبت في الأرض وغبت ببلد كذا.. « وإليه يرجع الأمر كله » أي يوم القيامة، إذ ليس لمخلوق أمر إلا بإذنه. وقرأ نافع وحفص « يرجع » بضم الياء وبفتح الجيم؛ أي يرد. « فاعبده وتوكل عليه » أي الجأ إليه وثق به. « وما ربك بغافل عما تعملون » أي يجازي كلا بعمله. وقرأ أهل المدينة والشام وحفص بالتاء على المخاطبة. الباقون بياء على الخبر. قال الأخفش سعيد: « يعملون » إذا لم يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم معهم؛ قال: بعضهم وقال: « تعملون » بالتاء لأنه خاطب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: قل لهم « وما ربك بغافل عما تعملون » . وقال كعب الأحبار: خاتمة التوراة خاتمة « هود » من قوله: « ولله غيب السماوات والأرض » إلى آخر السورة.


 

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags)
مصورة, تفسيرالقرطبي, إني


 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة




الساعة الآن 04:06 PM


Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2018 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved. منتديات
HêĽм √ 3.1 BY: ! ωαнαм ! © 2010